الثلاثاء، 1 يوليو 2008

حجاب المسلمة - منظور مختلف

الأخ النبهان كلية الطب جامعة حلب السلام عليكم لقد وصلني كتابكم الكريم، وها أنا أجيبكم على أمل أن أكتب في هذا الموضوع، ما يكون فيه الفائدة لي ولكم ولصديقكم ولموضوع البحث،(الحجاب قراءة نقدية).

وقد استوقفتني نقاط عدة في كتابكم أعتقد أن بحثها يمكن أن يضيء الموضوع أكثر، وإن لم تكن في دائرة اهتمامكم المباشر كما نفهم من كتابكم:

النقطة الأولى التي استوقفتني: وهي تتعلق بموقفك الشخصي: أعني مشاعر الألم واليأس والاحباط التي تشي بها كلماتك، وهذا الأمر وإن كان يدل على صدق الطوية، ورهافة الحس، وفيض الإخلاص، لكنه يعكس في نفس الوقت، خصيصة تطبع سلوك المسلم المعاصر، ومازلت أذكر نفسي في سنواتي الجامعية،(في فترة الحرب الأهلية في سوريا في ثمانينيات القرن المنصرم) أعاني ما تعاني، وأحمل من الهم ما تحمل، وأجتر من الآلام والمرارة والمشاعر مثل الذي تجتر، لقد كان لدي الكثير من القلق، على مستقبل الإسلام، وكنت كثير الخشية عليه، لم أكن أدرك[1] حقيقة (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)و(إن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)و(كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

إن المسلمين في العالم ضحايا الجهل وما ينتجه من عجز، وما يعقب ذلك من ذل وهزيمة، وهم يسقطون ما في واقعهم من مآسي، وما في أنفسهم من مشاعر على الإسلام، لكن وقائع التاريخ، وحقائق الحياة، تبين حالة من الافتراق بين حال الإسلام وحال المسلمين، ففي الوقت الذي يرزح فيه المسلمون تحت الاحتلال والاستلاب المادي والمعنوي، يحلق الإسلام في الآفاق ويجوب بقاع الدنيا، ويفتح في كل صباح أرضا وقلوباً وعقولاً جديدة، فقد أصبح منذ أمد طويل أكثر وأسرع الأديان انتشاراً في العالم، وهو يوشك أن يكون أكثر الأديان أتباعا لأنه أكثرها حيوية وقوة وقدرة على اكتساب الأتباع، رغم تخلف أتباعه، وغيبة المؤسسات التي تقوم على نشره بشكل منظم مقارنة بغيره من الأديان، هذه الحقائق يعرفها كل المهتمين، وتسجلها المطبوعات التي تتحدث عن حركة الأديان في العالم.

لذا علينا أن نحرر أنفسنا من هاجس الخوف على الإسلام، والقلق على مستقبله، وأن نركز على معاناتنا، ومهماتنا اليومية، والصعوبات التي نواجهها كمواطنين، وكيف يمكننا النهوض بواقعنا، وخلق واقع جديد، يجسد القيم التي نحب ونحترم، وكيف نستفيد من طاقة الفكرة الإسلامية في إعادة خلق النماذج الإنسانية العالية المدرعة التي يتسحيل إيقافها أو تدجينها؟ أوالسيطرة عليها مثل بلال وعمار وسمية، ومثل هذه النماذج التي تحررت من التقية والإزدواجية، والمداهنة والنفاق، وتعلمت (أن تبين الحق وترحم الخلق)، يمكن أن تعمل كنواة أولية لتغيير حقيقي في المجتمع، وهذه هي النقطة الأولى المهمة فيما أتصور: أن نوقف البكاء على الإسلام، ونبدأ اعتبارا من هذه اللحظة بمواجهة صعوبات الواقع المعاش وتحدياته.

إن الألم والمرارة والإحباط فيما أعتقد وأتصور ثمرة تصور خاطئء للقضايا، وقراءة غير دقيقة للوقائع، وجهل بسنة الله التي تحكم التاريخ، حيث يؤلمنا أن نرى (الباطل الذي نظن ينتصر على الحق الذي نعتقد)، إن هذا الإيمان العميق بقدرة الباطل على هزيمة الحق يشرح الكثير من المعاناة النفسية التي نعيش، حيث يؤلمنا أن نرى مانعتقد أنه حق يخسر مواقعه أمام ما نعتقد أنه باطل.

إن سنة الله في التاريخ، وقانونه الذي لا يتبدل هو (قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) لذلك فإنه لزام علينا، عندما نكون أمام حالة يفيد ظاهرها بتفوق الباطل على الحق، أن نعيد النظر في تعريفنا للحق والباطل، وأن نتفحص أساليبنا في معرفة الحق والباطل وتمييزهما، حتى نخرج من اللبس الذي يجعلنا نرى الأشياء بهذه الطريقة ، و عندها فقط نتمكن من التوبة والتصحيح، فالخطوة الأولى في أية توبة، هي خطوة معرفية تتجلى بكشف الخطأ، والخطوة الثانية خطوة عملية تتجلى بالعمل بمقتضى المعرفة المتحصلة لدينا.

إن التاريخ كما تبين آيات الآفاق والأنفس هو زيادة في الخلق، وبتعبير القرآن (يزيد في الخلق ما يشاء)، وهذه الزيادة لها وجهة سير، واتجاه تطور، وغاية حركة، هذه الوجهة، وهذا الاتجاه، وتلك الغاية محكومة بقانون الوجود الأزلي، الذي يتم من خلاله استبعاد الضار وتحييده، واستبقاء النافع وترسيخه حتى يأتي ما هو أكثر منه نفعا فيزاحمه حتى يحل محله ، وهذا الدرس يمكن التدليل عليه واستقراءه من خلال الاطلاع، على مسيرة التقدم الإنساني عبر التاريخ حيث تراكمت وتعاضدت الأدلة البينة على هذه الحقيقة، بحيث أصبحت جلية لا يمكن أن يماري فيها إلا من سفه نفسه، وهو بهذا المراء يفضح نفسه ويثبت غربته واغترابه عن العالم الذي يعيش، وهذا القانون الوجودي سجله الكتاب الكريم في غاية الوضوح في قوله تعالى (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، فالحق والباطل مفهومان عواقبيان سننيان، يمكن التعرف عليهما في الآفاق والأنفس من خلال قراءة العواقب في الأنفس ، ورؤية التسخير في الآفاق، وعندما نرى أن مواقع ما نعتقد أنه حق في انحسار دائم علينا أن نعيد النظر في حقيقة ما نظنه حقا، و بطلان ما نظنه باطلا.

إن التصور الخاطئ للقضايا، والفهم المعتل للأحداث، وغياب الرؤية السننية للأحداث يجعلنا نتخذ في الحياة مواقع خاطئة، ونقف من الأحداث مواقف خاسرة، وندفع أفدح الأثمان بشكل مجاني، أي دون أن تحقق قضايانا أي تقدم، وعندما نكون أمام حالات انسداد الأفق، وتعثر المسار، فإن أول الزوايا التي ينبغي تفحصها هي ذواتنا، تلك الزاوية التي قلما يلتفت إليها وقلما تخضع للتفحص والنقد، ونادراً ما وضعت موضع المسائلة والاتهام، بل ينظر إليها بنوع من الحصانة والقدسية تجعلها فوق كل نقد أو مسائلة، في الوقت الذي تجمع فيه آيات الكون وآيات الكتاب، أن ذواتنا بما تحمل من مفاهيم وتصورات يجب أن تكون المتهم الأول أمام أي مشكلة أو استعصاء، واستعراض الشهادة التي تقدمها آيات الكون على اتهام الذات أولا تحدث عنه بشكل مفصل الدكتور خالص جلبي في كتاب النقد الذاتي، وشهادة آيات الكتاب هى خلاصة بحث الأستاذ جودت حتى يغيروا ، وخلاصة رأيه في هذا الأمر ( إن الله والرسول والتاريخ وآدم وزوجه والشيطان) يجمعون على أن (ما أصابك من سيئة فمن نفسك)، أي مما تحمل في نفسك من مفاهيم وأفكار وتصورات (ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين).

إن الألم والإحباط يعكسان إحساسا بانسداد الأفق، وانعدام المخرج، ويأسا من إمكان ربح المواجهة القائمة، هذه المشاعر التي كانت تقض مضجعي في لحظات معينة من حياتي اكتشفت مؤخرا أنها كانت بسبب افتقاد البوصلة وتشوش الرؤية في فهم الحياة والكتاب، الذي ينتج منه الحزن على الماضي والخوف من المستقبل، والذي لا يخدم إلا دليلا على جبن الإيمان، وسوء الظنٍ بالله، وجهل بسنة التاريخ، وطبيعة الإسلام كدين، والقرآن ككتاب مقدس.

النقطة الثانية:موقف الأخوات اللاتي شعرن بالندم وقررن العودة عن لبس الحجاب.

وهذا الأمر يمكن بحثه في عدة مستويات:

المستوى الأول : إلى أي درجة يمكن إعتبار الحجاب قضية جوهرية وأي دور يمكن أن تلعبه في النمو الإنساني للمسلمة، وهل له فعلا مثل هذه القيمة الأساسية أو التأسيسية من الناحية الشرعية ؟

أنا أعلم أن للحجاب قيمة رمزية كبيرة في عالمنا العربي والإسلامي، لكن هذا التكثيف الرمزي للحجاب، يجب أن لا يطمس حقائق غاية في الأهمية منها :

1 - إن الخلاص الدنيوي والأخروي يتوقف أساسا على العقل وليس على الحجاب، فأساس التكليف العقل وليس الحجاب، لكننا في الوقت الذي نولي فيه أكبر الاهتمام بالقماش الذي يستر الرأس، لا أعتقد أننا نعطي نفس الاهتمام فيما يتعلق بما في داخل الرأس(الدماغ وبالتالي العقل) في حين أن القرآن تحدث كثيرا جدا عن العقل وقليلا جدا عن الحجاب، وفي الوقت الذي يثار فيه موضوع الحلال والحرام والحكم الشرعي فيما يتعلق بالحجاب لايتم تذكر مثل هذا الأمر عند بحث قضية القراءة والتعلم سواءً بالنسبة للرجل أوالمرأة على حد سواء، رغم وضوح وأولوية الأمر بالقراءة في كتاب الله في أول كلمة نزلت على قلب النبي(إقرأ وربك الأكرم)، وأعتقد أن هذ العمى الثقافي أو الانتقائية الثقافية في التعامل مع النصوص المقدسة من أكبر أمراض الحالة الإسلامية المعاصرة، فالقراءة بحسب القرآن فعل أولي وأساسي لصحة الإيمان وبناء الإنسان، وهو أولوية تعبدية بنص الكتاب الكريم، وقد جاء بصيغة الأمر التي تقتضي الوجوب كما يقولون، لكن ليس من الشائع في العالم الإسلامي، الحديث عن القراءة باعتبارها سبيل الخلاص الدنيوي والأخروي، أو على الأقل باعتبارها أهم الواجبات الدينية الرئيسية في يوم المسلم هذا إذا صنفت كواجب، وموضوع القراءة يكتسب أهمية خاصة في بناء الإنسان وتنمية الإيمان في هذا العصر، وخاصة عندما تخبرنا الدراسات الحديثة أن 80% من معارف الإنسان تأتي عبر القراءة فمن يحرم القراءة يوشك أن يحرم الخير كله، ويحال بينه وبين المعرفة المنقذة في الدنيا المنجية في الآخرة.!

2 - إن قضية المرأة هي قضية الإنسان في شقه المؤنث، ومن ثم يجب أن تبحث في هذا الاطار، فإذا كانت الاعتبارات الشكلية للمرأة من ناحية الزي يمكن أن تدخل في إطار الأوامر الشرعية الأساسية، فلا أظن أن من العدالة أن يتم التسامح مع الرجل فيما يتعلق بالزي إلى الدرجة التي يعتبر الزي بالنسبة للرجل مسألة غير مطروحة - من الناحية الشرعية- على الاطلاق، فيما يعتبر لباس المرأة جوهر تدينها ومعيار التزامها، إن مثل هذه الحقائق الاجتماعية لا يمكن تبريرها من الناحية الشرعية(النقلية) أو العقلية(المنطقية)، نقول هذا ونحن نستحضر في أنفسنا النصوص القرآنية التي تتحدث عن الرجل والمرأة باعتبارهما صنوان، في أساس الخلق والتكليف، ولا يمكننا عندما نفكر ونحن في حالة وعي لروح الشرع، وحقيقة الإنسان(ذكرا وأنثى) أن نتقبل المفاهيم السائدة المتعلقة بلباس المرأة، في الوقت الذي نسلم فيه بأنها حقيقة اجتماعية يصعب تجاوزها أو التقليل من قيمتها، لكن هذا يختلف عن تحويلها إلى أساس من أسس الشرع التي ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ ونلتمس لها الأدلة، ونخوض من أجلها المعارك.

3 – نحن نعلم من تاريخ التشريع أن مسألة الحجاب تم طرحها في المدينة، في وقت متقدم من حياة الدعوة، وبعد وقت ليس بالقصير من قيام دولة الإسلام، وبناء مجتمع الرشد، الذي حد الحدود ووزع المهام، ونظم الحياة، وعرّف معنى الحق والواجب، لكل مواطني الدولة، بغض النظر عن الانتماءآت العقائدية وهذا يثبته دستور المدينة، الذي كرس التنوع الديني والعقائدي، بشكل يصعب تصوره في ذلك الوقت المبكر من تاريخ البشر، ولذلك لم يعمر طويلا بعد انقضاء عهد المدينة، هذه الدولة رغم تعدديتها كان اللون الغالب فيها هو اللون الإسلامي، الأمر الذي يجعل طرق وأساليب التعبير عن الانتماء، أسهل ممارسة وأقل كلفة وعناء، وهذا يجب أن يكون محل نظر واهتمام ودراسة عندما نفكر بترحيل الأوامر الشرعية من ثنايا الكتاب إلى أرض الواقع، وأعتقد أن الكثير من الصعوبات التي نواجهها تنشأ في الغالب عن سوء التنزيل لللأحكام على الواقع، وذلك لنقص فقه الحكم أو نقص معرفة الواقع، فالنقول التي نقلها صديقك تثبت أن هناك حيثيات ومبررات اجتماعية اقتضت تنزل الحكم الشرعي، ونحن مع إيماننا بأن للحكم الشرعي الخاص المرتبط بواقعة معينة، معناه العام الذي يفيد تكليف الجميع، لكن هذا لا يمكن أن نفهم منه تجاهل الظروف الموضوعية التي يخضع لها المكلف بالحكم الشرعي، وأظنك تعلم أن من القواعد التي اتفقت كلمة أهل العلم عليها - من الناحية النظرية على الأقل - قاعدة: (تغير الأحكام بتغير الأزمان) وإن كانت الحياة الفكرية في العالم الإسلامي القائمة على تقليد السلف وتقديسهم في مجملها، جعلت هذه القاعدة قاعدة نظرية لم تجد من يتبناها بالقوة والجراة التي تجعلها تأخذ سبيلها إلى حياة واقعية حية، أقول إن طبيعة الحياة الفكرية في العالم الإسلامي ساهمت، في رؤية الأحكام في ضوء واقع سريع التغير، دون أن توجد – في المقابل - الجرأة الأدبية بل وأقول الإيمانية التي تخلق لدينا القدرة على مواجهة واقعنا بعقول مفتوحة، بغض النظر عن مقولات السلف، بل وبالرغم من مقولات السلف، لأن القرآن يعلمنا أن القدسية للواقع الحي النابض، الذي يتكلم بلغة العواقب وميزان الربح والخسارة، حتى في موضوع الدين ومعرفة الإله، وهذا الموقف الموحد بامتياز يعرض في غاية الوضوح في حوار إبراهيم مع قومه حول حقيقة الآلهة التي يقدسون وقدرتها على التأثير في واقعهم من ناحية الربح والخسارة والنفع والضرر فيكون السؤال الإبراهيمي التوحيدي (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون هل ينفعونكم أو يضرون؟؟) ويكون جوابهم مجسدا الوثنية بأبشع صورها كما نفهم من القرآن، إنها تجاهل نداء العقل واستعجام لغته وتمسك حرفي بأفعال السلف وممارساتهم (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون).

4 – إن اختلاف الزي الإسلامي باختلاف أقطار العالم الإسلامي، وليس باختلاف المذاهب كما ذكر صاحبك(في بحثه) يعطي قيمة اجتماعية خاصة للزي، أكثر مما يعطيه قيمة شرعية، ويثبت بما لا يدع مجالا للشك دور العامل الاجتماعي في مسألة الزي، وأننا إذ نقر أنه من الصعوبة بمكان بالنسبة إلينا أن نتحدث عن (الزي الشرعي) كحقيقة دينية، رغم حضوره الطاغي الكثيف كحقيقة اجتماعية ناطقة باسم الدين، معبرة عنه، فإننا نؤكد في نفس الوقت، أن القرآن حوى المباديء العامة المتعلقة بتنظيم الحياة العامة والخاصة أقول المباديء العامة، وليس الحرفيات الدقيقة التي يصعب أن تتعايش مع التطورات الإنسانية التي هي الثابت الوحيد في حياة البشر كما يبين تاريخه الطويل بمقاييسنا.

المستوى الثاني : ما الذي يجعل شخصا ما يقوم بعمل وكيف ولماذا ينكص عنه؟ لماذا يتمسك بعض الناس بمواقفهم حتى النهاية، ويتراجع بعض الناس لأول بارقة، وعند أول عقبة؟

أعتقد أن هذا التساؤل مهم فيما يتعلق بموضوع الحجاب، أو أية ممارسة اجتماعية أو دينية أخرى، لإن السلوك الإنساني في جانب كبير منه تعبير مباشر عن القيم العميقة الراسخة في اللاشعور، وعندما يفقد السلوك مبرره الداخلي لا يعود من الممكن، أو من السهل التعبير عنه أو ممارسته، أي إن ممارسة معينة تعكس تصورا معينا، وعندما يغيب مثل هذا التوازن ببين الفكرة والسلوك المعبر عنها، لا يعود الاحتفاظ بالسلوك ممكنا، ولذلك فإن مواجهة الظواهر السلوكية يجب أن تتم على مستوى الفكر، وليس عند ظاهر الفعل( كما نفعل نحن في الغالب) فعندما نؤسس للفعل على مستوى الفكر نكون كمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، فلا نخشى أن تحدث مثل هذه الانهيارات، وعندما تحدث تكون لدينا إمكانية الفهم والتحليل والعلاج، وقد كان مثل هذا الأمر واضحا لدى الرعيل الأول، والذي شهد أعظم تغيير ربما في التاريخ الإسلامي وأرسخه وأعمقه وأسرعه، أعني جيل الإيمان الأول، وكانوا يعبرون عن هذا النوع من التراتبية في عملية التغيير بين الفكر والفعل بقول ابن مسعود فيما أظن (لقد أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القرآن)، باعتبار الإيمان وكما نفهمه من القرآن هو تصور للوجود ينتج العمل الصالح في تجلياته الثلاث:

- علاقة مع الله تُمَكِّن من التوحيد، والذي يعني المساواة والعدل بين الناس، فالترجمة الحقيقة لتوحيد الله، هي توحيد عباده أمام القانون والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات.

- علاقة مع الإنسان تمكن من الإحسان الذي يحول العدو إلى ولي حميم باتباع تقنية (ادفع بالتي هي أحسن).

- علاقة مع الكون تتجلى بمعرفة السنن التي تمكن من التسخير وتجعل الكون في خدمة الإنسان.

وكل نقص في أي من هذه المستويات هو نقص أو تشوه في معنى الإيمان، وعندما يكون التشوه شديدا نكون أمام ما يسميه القرآن (الأماني)( ظن الجاهلية) وهي الصور الذهنية التي لا يوجد لها مكافئات واقعية عملية، بل تكذبها الوقائع وتشهد عليها العواقب، وهي النموذج التصوري الأكثر شيوعا وسيطرة في عالمنا بدليل واقعنا، وإنما يتمسك الناس بهذه التصورات كمسلمات مقدسة، لا يخطر في بالهم أن تكون محل اتهام، وإن خطر لهم لا يجدون القدرة أو الجرأة على اختبارها أو مسائلتها.

إذاً لقد كان التغير الحقيقي الذي عاناه الجيل الأول، هو تغير على مستوى تصور الوجود والشبكة العلائقية التي تحكمه، وتحدد مكان الإنسان فيه، وموضعه بالنسبة لله- سبحانه- والكون والإنسان، إن هذاالتصور الجديد يخلق وظيفة جديدة، ويرسم أهدافا جديدة، ويخلق واجبات جديدة ، ويحدد آليات للعمل، ثم يتلو ذلك التكليف بأداء الأحكام والواجبات الشرعية، وهذا هو جوهر الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني، حيث غلب في الأول الحديث عن قضايا الوجود العامة، وغلب في الثاني الحديث عن الأحكام، وهذا ما تعبر عنه السيدة عائشة(والله لو أنه أنزل أول ما أنزل لا تشربوا الخمر لقال الناس والله لاندعها إذا أبدا، ولكن أنزلت آيات المفصل وما فيها حتى لانت قلوب القوم....)، فعلينا في عملية التغيير أن لا نضع العربة أمام الحصان بل نبدأ المواجهة على مستوى الفكر، لأن الفكر هو مصدر الفعل(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، إن البدء بطريقة مقلوبة يحدث نتائج مزعجة واستعصاءات مؤلمة وانهيارات محبطة.

المستوى الثالث : (ليست مقدسات بيئتنا واجبة الحرمة في كل شيء)، وهذه العبارة لمحمد إقبال.

أحد أخطر المشكلات التي واجهتها النبوات هي المقدسات الاجتماعية، أو تراث الأولين(إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، وأعتقد ان كل قاريء للقرآن يمكن أن يدرك حجم المواجهة التي كانت تتم بين الأنبياء وبين مقدسات الأقوام، وهذا المرض كما يشرح القرآن سنة من سنن الوجود الاجتماعي، يصاب به كل مجتمع إنساني، وليس المجتمع (المسلم) بمنأى عن ذلك، فعندما يأتي من يحمل مفاهيم ورؤى وأفكار وتصورات جديدة، ينظر إليه باعتباره خارج عن المجتمع، بل كمن يعتدي على المجتمع ويحاول تحطيم مقدساته، وقد كان خلال التاريخ يخير بين أمرين لا ثالث لهما القتل أو الإخراج من الديار،(قال أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا) وقد خاض النبيون والمصلحون معارك ومواجهات كبيرة لتغيير قواعد اللعبة، وبناء الحياة الاجتماعية على قواعد جديدة تسمح بوجود المختلف، وتعطيه الحق في التعبير عن اختلافه، بحيث يسمح للخطأ أن يموت ميتة طبيعية، ومن ثم أن تفصل معركة الأفكار عن معركة الأجساد، وأن يترك الاختلاف للتاريخ ليقول فيه كلمته، فيبقي ما ينفع الناس ويذهب بالزبد جفاء، لكن أتباع الأنبياء انقلبوا على تعاليمهم، فغيروا المسار، بحيث تحولت كل دعوات التحرير واحترام الحياة الإنسانية التي نادى بها الأنبياء إلى مفاهيم مغلقة، لا تنطبق على كل من يقع خارج الحدود، أو من داخل الحدود لكنه يظهر ميلا لكسر المقدسات البشرية أو تجاوز الحدود التي رسمها البشر باسم المقدس، تماما مثلما يحدث الآن عندما يتم الاتجار بقيمة الديمقراطية، فحيث الجاني هو حليف الغرب دعاة الديمقراطية، فإن مخالفته للقيم لا ترى ولا تسمع، وإن حدث ووضعت أمام الأعين بسسب حضورالميديا القوي، فإن الضمائر لاتبصرها، بحيث يمكن تفهم حق البعض في القتل والتدمير والإفساد في الأرض لا لشيء، إلا لمجرد كونه حليفا وثيقا لوكلاء القيم الديمقراطية المعاصرين، وبائعي صكوك الغفران الجدد.

والواقع أن قضية المختلف رغم كل ما حققته من تقدم يتفاوت بتفاوت المجتمعات وطبيعة الاختلاف وصفات المختلف، فإنها في عالمنا (العربي والإسلامي) ما زالت في عصر ما قبل النبوات، وكأن التاريخ لم يتقدم، وما زال ينظر لمن يأتي بالجديد من الأفكار والمفاهيم بكل ريبة وتوجس، فكل من يأتي بجديد من فكر أو رؤية أو تصور يمكن أن يجد له مكانا بين (الكافرين!) و(المرتدين!)و(الكذابين!)و(الزنادقة!)و(الملحدين!) و(المتآمرين! كما في كتاب مشايخ دمشق لرئيس الجمهورية مؤخرا فيما يتعلق بالتعليم المتوسط الشرعي).

بينما القرآن وكذلك كل النبوات والأديان تفتح الباب أمام كل من يملك فكرة فتعطيه الحق في عرضها والتعبير عنها ودعوة الناس إليها[2]، دون وجود هاجس الخوف على الإيمان أوالإسلام أوالحق لأن قانون الله الذي يحكم معركة الحق والباطل (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)(قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان كان زهوقا) وكل الذي لا يقبلون أن يخوضوا معركة الفكر المفتوحة من غير استثناءات أو حدود، ويمكن في لحظة ما أن يحولوها من معركة أدمغة وعقول إلى معركة عضلات وأجساد، إنما يعبرون عن نقص إيمانهم فيما يعتقدون ويقدسون، وهم يعلنون من غير لسان أنهم وأفكارهم ومبادئهم غير جديرين بخوض معترك الفكر، ولا يمكنهم الصمود على محكاته، وهم يصرحون بلسان الحال أن ما يحملون من فكر إنما هو دعاوى لا تصمد للنقد وللتمحيص، ولذلك يحرصون على فرض الصمت بالقوة على الآخرين تحت وطأة العقاب البدني والإرهاب النفسي، إن الخلفية العميقة لمثل هذه الفلسفات إنما تنطلق، من أسوأ الظن بالله عندما تفترض أن الله يمكن أن يكون مخطئا، وأن الناس إن أعطوا حق الكلام وحريته ربما كشفوا ما في دينه من نقص وما في خلقه من فطور، وهي تنطلق من أسوأ الظن بالإنسان عندما تفترض أن أحسن الطرق للتعامل مع الإنسان إنما يكون بإكراهه وليس باقناعه، وهي تنطلق من أسوأ الظن بدين الله عندما تفترض أن الناس يجب أن يساقوا إليه بسوط القوة، إن هذه الطامة المثلثة الأضلاع هي منشأ كل المفاسد في عالمنا، وهي نتيجة مباشرة لجهل (سنة الله في الذين خلوا من قبل)، والغيبة الكبرى عن تاريخ البشر وما فيه من الآيات البينات.

المستوى الرابع: أننا لم نقم علاقة نقدية مع التراث[3]، ولم نؤسس معه علاقة علمية، بل مازلنا في طور الدفاع والتبجيل، وما زلنا ننظر لآبائنا الأولين بكل التقديس والتعظيم، الذي يخرجهم عن البشرية ويجعلهم فوق النقد والمساءلة، وهذا فيما أتصور، مناقض للتصور القرآني على أقل تقدير، وبأقل الكلمات استفزازا، حيث أن القرآن يرسم للعلاقة مع الآباء ثلاث مستويات:

1 – المستوى الأول: حيث ما عند الآباء يملك بعض المصداقية، ويعطي بعض المنافع فيمكن التعامل معه بإيجابية، بأن نتخير منه ما ينفع فنستبقيه وننميه، وهذا حصل في كل الأديان والدعوات الاصلاحية عبر تاريخ البشر، فلم يأت دين أو دعوة ليمحو كل ما سبقه ويبدأ من الصفر، بل تمت مراكمة وتنمية ما ينفع ويفيد، ولذلك نجد روح الأديان واحدة، والمشتركات فيها كثيرة، وإن كان حرص الأتباع على نقاط الاختلاف يعطي صورة مختلفة مؤلمة، وهذه الحقيقة يعبر عنها القرآن بقوله تعالى(سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) وفي الانجيل على لسان عيسى(ما جئت لأنقض الناموس بل لأكمله)،وهنا ينظر القرآن الكريم لتراث الآباء بنوع من الإيجابية لكن هذه الإيجابية يجب أن لاتحول دون إعطاء ما جاء به به الأنبياء أو العلماء الفرصة والحق كي يكون محل نظر واختبار فقد يعطي من النفع ويثبت من الجدوى أكثر مما عند الآباء، وهذه تعطيه مشروعية البقاء وأهلية الاحترام والتقديس. (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه أباءكم).

2 – المستوى الثاني : عندما يكون ماعند الآباء محل إدانة، وإن كانت نتائجه الكارثية لم تظهر بعد، وهنا لابد من وضعه موضع المساءلة، والاشارة إليه بأصبع الاتهام، ولفت الأنظار إلى احتمال كونه مصدر الكوراث والآلام( أو لو كان أباؤهم لايعقلون شيئا ولا يهتدون).

3 – المستوى الثالث : عندما يكون تراث الآباء ماثل في الواقع بنتائجه الكارثية التي تفقؤ الأعين، لكن لايخطر في بال الكثيرين أن يكون الآباء محل إدانة في فكرهم وسلوكهم، لأستنادهم إلى مسلمات معرفية راسخة تجعل الآباء فوق كل نقد، والذين يخطر في بالهم لا يتجرؤن على البوح بما دار في أذهانهم، لنفس الاعتبار السابق، هذا المنهج في التعامل مع الآباء (التقديس) أبطله القرآن ، والقرآن نفسه لم يتردد في الإدانة عندما تحققت الشروط الموضوعية لها (أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ).

إن غياب مثل هذه الرؤية القرآنية في العلاقة مع الآباء تجعلنا نقف على بعض ما يمكن تسميته (الفضائح التاريخية المفاجئة)، كما في بحث الأخ الذي بين يدينا.

النقطة الثالثة : موقف الأخ الكاتب (صديقك الملحد)، ويستوقفني في خطابه القضايا التالية:

أولا : أنا أختلف معك باعتباره ملحدا (لأن الالحاد كما نفهم من كتب اللغة هو الإعراض المبني على المكابرة، والكبر من أعمال القلوب، وأنا لا أسلم أن لبشر أن يحكم على ضمائر الناس كما قدمت)، وعلى كل فإن هذا الأمر غير مهم لي أو لك أو له على اعتبار أن أحكامنا إزاء بعضنا في هذا الموضوع، هي أحكام ذاتية ليس لها قيمة موضوعية، فالحكم على عقائد الناس كما نفهم من القرآن ليس لبشر{حتى لوكان الرسول فقد بين الله وظيفته فقال (إنما عليك البلاغ والله يتولى الحساب)}، فالحكم على العقائد حكم إلهي بيد الله، أخروي أجله يوم الدين، يستوجب معرفة كلية لا يتوفر عليها بشر والله سبحانه يقول (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون إن الله على كل شيء شهيد)، ولنسمه(صديقك) الباحث عن الحق والذي سيتبعه عندما يتبين له في الغالب، لأن قانون الله أن سبب ضلال الغالبية العظمى من الناس هو الجهل(هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لايعلمون الحق فهم معرضون)، فغالبية الناس عندما يتبين لهم الحق يتبعونه، ومنه نقول أن غالبية المتشككين هم طلاب حق التبس عليهم فأضاعوا سبله، وواجبنا هو إنارة السبل لهم وبيان الحق وتبليغه لهم حتى نعذر عند الله، وإذا عجزنا عن هدايتهم فيجب أن نلوم أنفسنا لآننا لم نتمكن من البلاغ المبين، لا أن نعاقبهم على فشلنا وتقصيرنا.

ثانيا : فيما يتعلق بموضوع الأمة والحرة : أعتقد أن الخطاب الذي يتبناه الأخ الكريم يتجاهل الكثير من الحقائق التاريخية، التي لم يكن القفز فوقها ممكنا ولا متاحا، وأنا لا أريد أن أخوض معركة دفاعية عن الإسلام، لكن أحب أن ألفت نظره، أن الذين أنهوا هذا الفصل المعيب من تاريخ البشر(العبودية) ليسوا أنبياء ولا قديسين ولا أصحاب نوايا طيبة، وقد خاضوا لذلك حربا ضروسا، وكان الدافع الأوحد لهم، التقدم الصناعي الذي أدخل الآلة في حياة البشر بحيث أصبح وجود العبيد عبءا اقتصاديا لا يمكن تحمله، في حين كان شركاؤهم في الوطن( الأمريكيون الجنوبيون) لهم مبررات مختلفة تجعل تضحيتهم بالعبيد تعادل البوار الاقتصادي والإفلاس، لأن الآلة لم تكن قد وصلت إليهم بعد لتحمل عنهم مشقة العمل في الحقول، وأعتقد أن الأخ يعلم أن الإسلام وإن لم يلغ العبودية لأسباب موضوعية كشفتها تجربة (إلغاء العبودية في أمريكا حيث ثبت أن العبودية حالة نفسية أكثر منها وضعا قانونيا)، فإنه رسخ ضوابط تراعي الوضع الاجتماعي دون أن تضيع المعنى الإنساني للعبيد، والذي أساسه التكريم، وجعل إمكان إلغاء حالة العبودية إمكانا كبيرا في الوقت الذي ضيق فيه موارد العبودية إلى أبعد حدود ممكنة، فالفرق بين الأمة والحرة هو فرق في الوضع الاجتماعي الذي لم يكن من الممكن تجاوزه لاعتبارات تاريخية، وليس فرقا في الحالة الإنسانية، ولذلك يقول النبي (ص)(إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس).

ثالثا – الغمز من التجربة الإسلامية في المدينة.( الملائكية التي يطبع بها كتاب هذا العصر من الاسلاميين مجتمع الرسول)

حقيقة يعز علي أن تغيب إشعاعات هذه التجربة المنيرة، عن إنسان ذكي له إطلاع معقول كالأخ الكريم، ولكن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على تقصيرنا في إبراز هذه الصفحة المشرقة من تاريخنا، أنا لا ألومك عندما تنتقد المبالغة في تصوير دولة المدينة على يد الإسلاميين المعاصرين من الكتاب، ولكني سأذكر لك بعض الملاحظات التي تجعل تجربة المدينة حدثا تاريخيا متميزا، وإن كان ليس ملائكيا، وهذه الملاحظات يمكن التأكد منها واختبارها، وأرجو أن تتقبل أن نصفها مستخدمين مصطلحات عصرنا(تجاوزاَ) فنقول:

1 – إن دولة المدينة أول دولة في التاريخ، تبنى بطريقة سلمية من الألف إلى الياء، بعد جهاد فكري نفسي اجتماعي دام ثلاثة عشر عاما، في عالم من أكثر قيمه قدسية، قيمة الثأر والأنفة، وعدم الركون إلى الضيم، وقبول الاهانة والصبر عليها لأية اعتبارات كانت، هذه النفس الأعرابية المتمردة تم تدريبها على تحمل كل ذلك وتجاوزه خدمة للمبدأ وتضحية في سبيل المعتقد .

2 – إنها الدولة الأولى في التاريخ الإنساني التي تعطي الأولوية للفكرة، في عالم كانت تقدس فيه الروابط الدنيا بين البشر، ويتم تحويل الأخوة من حدث بيولوجي تحكمه قوانين البيولوجيا إلى حدث اجتماعي تحكمه التعاليم الإلهية، فتتم المؤاخاة بين الأحرار على اختلاف انتماءاتهم القبلية ويوضعون على صراط المساواة مع العبيد في سياق أخوة الفكرة والدين الجديد، وليس في سياق أية اعتبارات أخرى.

3 – إنها الدولة الأولى في العالم، التي تعطي قيمة لمعنى المواطنة، قبل أن يولد معنى الوطن، وتعطي الحقوق والواجبات لمواطنيها بصورة متساوية، بغض النظر عن انتمائهم الديني حيث جاء في ميثاق التأسيس الذي كتبه النبي كدستور للدولة الناشئة(وأن الله على من في هذه الصحيفة إلا من أثم وظلم فإنه لا يوتغ إلا نفسه).

4 – إنها أول دولة علمانية(إذا نزعنا العلمانية من سياقها المعادي للدين وأخذنا بتعريف البروفيسور أركون باعتبار العلمانية: هي الدولة المحايدة بين الأديان) أقول أول دولة علمانية تعددية عبر التاريخ الإنساني، جاء في ميثاق التأسيس الذي كتبه النبي بينه وبين جواره اليهودي(إن المسلمين من المهاجرين والأنصار ومن جاورهم من اليهود أمة على من عاداهم وعليهم النصر.......) .

5 – إنها أول دولة ديمقراطية تعطي للناس حق المشاركة في صناعة القرارت المصيرية التي تتعلق بمستقبلهم، رغم النبوة ووجود النبي وتنزل الوحي (حدث ذلك مرارا وتكرارا في المفاصل الكبرى من حياة الدولة في غزوة بدر وغزوة الخندق وغزوة أحد)، ويكفي لإدراك مقدار ديمقراطية دولة المدينة مقارنتها بأثينا بريكليس التي تصنف بأنها مهد الديمقراطية المعاصرة، حيث كانت حقوق المواطنة وقفا على السادة اليونان الذي كانوا يشكلون عشر سكان أثينا، أعتقد أن الكثير من مسلماتنا المعرفية تحتاج للمراجعة وإعادة التقييم.

6 – إنها الدولة الأولى في التاريخ الإنساني، التي تضع الحاكم موضع المساءلة، حتى لو كان الرسول نفسه أو خليفته، وتعتبر تكليفه مسؤلية قابلة للمحاسبة والاستجواب وتقديم كشف الحساب أمام الأمة قبل رب الأمة، والوقائع أكثر من أن تحصى.

7 – إنها الدولة الأولى عبر التاريخ الإنساني التي يمكن لأي فرد من أفرادها أن يوقع عهودا وعقودا باسمها (يجير أدناها على أعلاها )( و قد حدث هذا مرارا وتكرارا، فعلته زينب بنت محمد مع زوجها السابق، وفعله أبو عبيد أحد فرسان فتح العراق مع رستم قائد جيش فارس دون أن يعرفه، وأم هانئ عام الفتح مع ابن هبيرة).

8 – إنها الدولة الأولى في العالم التي ربطت الخضوع للأحكام الشرعية بالرضا الداخلي العميق، والرغبة الداخلية في الامتثال والطاعة والرغبة في التطهر من آثار المخالفة والخطيئة، وقد كان النبي يحاول أن يلتمس الأعذار لمرتكبيها ليتركهم أمام ضمائرهم، لكنهم لم يكونوا يقبلون (الغامدية التي ارتكبت جرم الزنا وحديث النبي لها) ، وهذه الممارسة النبوية في تربية الوازع الداخلي، تبدو شديدة الوضوح في حديثه مع زينب ابنته التي تخبر المسلمين أنها قد أجارت أبا العاص ابن الربيع، ويعلم النبي أن الرجل قد بات في بيت زينب، و لايخطر له ما يخطر في بالنا من الأسئلة، ولا يكون منه، إلا أن يوجه لها الخطاب قائلا: أي بنية أكرمي مثواه، ولكن لا يخلص إليك فإنه رجل مشرك لا يحل لك.هذا كل ما في الأمر!! لا محرم، ولا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، ولا وصاية ولا قوامة بالمعنى الذي نفهمه حتى من النبي، بل مطلق الحرية في اختيار السلوك الذي يسيطر عليه ويضبطه الوازع الذاتي وحسب.

رابعا ً – أما فيما يتعلق بما نقله الأخ الكاتب من كتب التراث، فمع تسليمنا بصحة نقوله نحب أن نسجل عليه التحفظات التالية والتي تتعلق أساسا بتفسير المنقول أكثر من تعلقها بالاعتراض عليه أصلا:

أ – أول هذه التحفظات يتعلق باعتبار الحجاب تشريع ذو مضمون طبقي، ومنشأ التحفظ هو غياب أية بنية طبقية حقيقية في مجتمع قبلي كمجتمع الجزيرة العربية، وعند وجود مثل هذه البنية فإن الفوارق الطبقية لم تكن بالحدة التي كانت عليه في الإمبراطوريات المجاورة، ففي حياة البدوي تقل الفروق حتى درجة التلاشي بين السيد والعبد، بل ربما تكون الفوارق رمزية أكثر منها عينية لقلة الميزات المادية المتاحة للسيد، على خلاف ما هو عليه الحال في الحواضر الامبراطورية المجاورة، ولذلك أحب أن نضع عبارة(مضمون طبقي)، موضع تساؤل واستفهام في أدنى تقدير، ومناط التمييز بين الحرة والأمة في تشريع الحجاب يتعلق بالاعتبارات التالية:

- إن الحرية شرط من شروط التكليف ، وعند غياب الحرية لايكون من العدل التكليف بالأحكام الشرعية، وهذا هو حال الأمة، ولذلك فإن تكليفها بالحجاب لو تم، يعتبر من الناحية الشرعية تكليفا بما لا يطاق، وهذا مخالف لمباديء الشريعة التي تربط التكليف بالإمكان( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)

- من رحمة الله بالناس أن الحكم الشرعي يرتبط بحال المكلف، أكثر منه بالنص الشرعي، وعدم تكليف الأمة بالحجاب هو مؤشر على قراءة دقيقة لوضع الأمة النفسي والاجتماعي والتاريخي، متحرر من ضغط (الطفالة اليسارية، والمراهقة الفكرية، وحمى الشعارات)، لقد أثبتت التجربة التاريخية في تحرير العبيد القانوني في أمريكا، أن العبودية مركب نفسي اجتماعي قبل أن يكون حالة قانونية، ومن ثم فإن التحرير الحقيقي يجب أن ينطوي على مقومات نفسية تربوية اجتماعية تؤهل العبيد على الاندماج في حياة اجتماعية كاملة تمكنهم من المشاركة الفاعلة الناتجة عن تقدير الذات واحترام الذات، أكثر من أن تتجلى في نصوص قانونية تحدد الحقوق والواجبات، وأعتقد أن عالمنا يعج بالكثير من القوانين التي ليس لها أي قيمة عملية حقيقة، فرغم زوال العبودية كوضع قانوني إلا أنها كحالة ما زالت موجودة بوضوح، في كل مكان يحرم فيه الناس من حق الاختيار، والمشاركة في صناعة مستقبلهم، وللتدليل على مراعاة التشريع القرآني لهذه الحقيقة، أن القرآن الكريم لما تحدث عن عقوبة الفاحشة(في سورة النساء) ذكر في البداية عقوبة (المحصنة)الحرة، ولما تحدث عن عقوبة الأمة التي تتحول إلى محصنة بالزواج حددها بنصف عقوبة الحرة(فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وذلك لاعتبارات تتعلق بتاريخها النفسي والتربوي، وليس تحيزا لها ضد الحرة كما يمكن أن نفهم عندما نقرأ بطريقتك في قراءة آية الحجاب باعتبارها تحيزا طبقيا ضد الأمة.

ب – فيما يتعلق بما تنكره من القيمة الأخلاقية للحجاب؟

- أولا أعتقد أن فيما نقله صديقك من نصوص ما يثبت أنه كان للحجاب قيمة أخلاقية في لحظة التشريع، ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، و هذا الأمر فيما أتصور معاش محسوس حتى يومنا هذا في مجتمعنا الراهن، فالحجاب يعمل إلى الآن كبطاقة تعريف لمن ترتديه، تفترض في الغالب نمطا معينا من السلوك، وخطا معينا في الحياة، وهذا المعنى أي القيمة الأخلاقية للباس عموما ما زالت فعالة في كل المجتمعات المعاصرة، بل أقول أن اللباس دخل حياة البشر في وقت متأخر باعتباره نوعا من التقدم والنضج الإنساني، وليس العكس كما يتصور البعض، فقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكور، لم يكن قد عرف اللباس أو أوقد النار أو استأنس الحيوان أو بنى المساكن، كل هذه الإضافات الإنسانية أحدثها الإنسان وهو يرتقي سلم التطور، فقد كان اللباس ارتقاء وليس نكوصا، ولكن الطامة الكبرى تحدث عندما يتصور البعض أن مجرد الالتحاف بقطعة القماش، يمكن أن يغني عن تنمية المعنى الإنساني في المرأة، والمرتبط أساسا بما تملك من مهارات وخبرات، وهذا فيما أتصور الأرضية العميقة التي ينطلق منها معظم معارضي الحجاب.

- ثانيا : بدل مصطلح مفهوم طبقي الذي أورده صديقك وأبدينا تحفظنا عليه، أحب أن نقول أن الحجاب وظيفة اجتماعية، بمعنى أن جزءا من وظيفة الحجاب مرتبط بالحالة الاجتماعية في مجتمع معين، حيث لكل مجتمع (أعرافه) وهذه تلعب دورا كبيرا في تحديد أساليب وطرائق قراءة أي مجتمع للنصوص الشرعية، ولذلك شاهدنا نماذج وموديلات مختلفة (للباس الشرعي) تختلف باختلاف الزمان والمكان، وحتى في المجتمعات غير الإسلامية ولنقل الغربية على سبيل المثال( المجتمع الأمريكي)، فهناك لباس خاص لبنات الهوى، ولباس خاص لسيدات المجتمع له مثل هذه القيمة التمييزية (غير الطبقية)، لكن التي تأخذ معنى (أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، والحالة الاجتماعية العامة هي التي تعطي للباس هذا المعنى، وإن تكن الجذور الفكرية للحالة الاجتماعية الأخلاقية، في مجتمع معين مرتبطة بمعارف وعقائد المجتمع الراهنة والتاريخية.

ملاحظة نهائية:

إن قضايا المرأة لن يتم بحثها بطريقة مجدية، ومعارك تحريرها لن تعطي نتيجة، ما دامت تخاض بالوكالة، حيث الرجال هم الذين يحددون ما هو ممنوع وما هو مسموح، وما هو صحيح وما هو خاطئ، وما هو حلال وما هو حرام، إن قضية المرأة يمكن أن تخطو خطوتها الأولى، عندما يتم الاستفادة من إمكانات المرأة في بحث مشاكلها وقضاياها، وعندما تتصدى المرأة لخوض معاركها الخاصة. فأرجو أن نتمكن من تنمية ودعم هذا الجانب عند المرأة الأخت والزوجة والابنة والزميلة والشريكة في تنمية الحياة الإنسانية.

أرجو الاطلاع على بحث المرأة في كتاب شروط النهضة للفيلسوف الجزائري مالك بن نبي.

درعا في 5 \7 \ 2006

د . محمد العمار


[1] وبالتالي لم أكن أؤمن بحسب تعريفنا للإيمان كما سيأتي.

[2] هذا الموضوع يحتاج لتأسيس للتغلب على الفكر الآبائي المسيطر فيما يتعلق بقضية الاختلاف، وإن كان المتدبر في القرآن، يجد أن القرآن يفتح إمكانية الحوار بلا حدود، ويعطي لكل صاحب فكر الحق في عرضها دون أية شروط أو ضوابط كالتي ابتدعها الآباء، ولا يرتب أي ثمن بدني على أية فكرة مهما تكن متطرفة حتى لو كانت الكفر بالله .

[3] وجماع القول في العلاقة مع التراث قول الأستاذ جودت سعيد الإنسان ((الإنسان من غير آباء صفر وإذا وقف عند الآباء جمد ومات)).

ليست هناك تعليقات: