الثلاثاء، 1 يوليو 2008

الغرب بعيون عربية

المصطلحات(إسلام – شرق – عرب)(مسيحية – غرب – أوروبيين)

صنع هذه العلاقة عاملان هما:

1- التاريخ هو الرسام الأكبر الذي ساهم في رسم لوحة العلاقة على جانبي المتوسط ،

· حيث اجتياح العسكري اليوناني للشرق بقياده الاسكندر ، وجاء رد الفعل الشرقي بعد قرون عبر أتباع المسيح، كان روحيا فكريا و تكلل بالقبول التام، حيث يدين غالبية الغربيين اليوم بالمسيحية، وهي دين شرقي.

· الهجوم الثاني قام به الرومان المسيحيون، وجاء رد الفعل بعد قرون وكان أيضا روحيا فكريا حمله الإسلام، و تراجعت المسيحية مع الجيوش الرومانية، ذلك أن الرومان كان وفاؤهم للإمبراطور يفوق وفاءهم للمسيح، خلافا للجيوش العربية التي كانت وفية للإسلام -إلى حد كبير- مما جعلها تبسط سلطانها وبصورة نهائية، على حوالي ثلثي العالم القديم، في غضون الخمسين عاما الأولى من عمر الإسلام ، الأمر الذي يعتبره مؤرخو الحضارات من معجزات التاريخ.

· بعد حوالي الخمسة قرون جاء الهجوم الغربي عبر الحروب الصليبية، وانتهى بهزيمة نكراء فتحت عيون الغربيين على العالم جديد الذي نشأ خارج أوروبا . هذه الحرب إضافة للحضارة الإسلامية في إسبانية لثمانية قرون كانت البذور العميقة للنهضة الأوروبية، وتتابع الضغط الإسلامي على العالم الغربي عبر المسلمين الأتراك حيث قرعوا أبواب فيينا، ولكنهم كانوا قد ابتعدوا كثيراً عن روح القرآن.

· ثم جاء الهجوم الغربي هذه المرة في إطار النزاع على تركة الرجل المريض(الإمبراطورية العثمانية)، عبر الحرب العالمية الأولى، التي تلاها اقتسام الجثة الهامدة بين المنتصرين ليبدأ قرن من أحلك قرون التاريخ لما حدثت فيه من مظالم وسالت فيه من دماء، هذه فيما أظن هي الخلفية التي تلعب الدور الكبير في نظرة العرب للأوربيين. ونأمل أن يكون الرد الشرقي الجديد هو رسالة إنقاذ إنسانية في مستوى ما جاء به محمد والمسيح، والغرب كما بين هذا الاستعراض التاريخي مدين أخلاقيا للشرق، فإن قام بتصدير الديمقراطية له كما هو مأمول يكون قد وفى بعض الدين، وعدل كفة الميزان بصورة نهائية.

2 - الرسام المساعد في هذه اللوحة كان الاختلاف الديني، والثقافي، والعرقي.

وكما أتصور فإن هذين العاملين شكّلا الخلفية العميقة للنظرة العربية الإسلامية إزاء العالم الغربي، وتسهيلا للدراسة نقسم:

أولا ً - الغرب إلى

- غرب سياسي رسمي(أمريكا – أوربا الشرقية – أوربا الغربية).

- غرب الشعب أو الجماهير.( حليف استراتيجي للعالم العربي).

يلاحظ أن الحكومات تمثل رأي الأغلبية فيها

ثانيا ً - الشرق إلى

- شرق سياسي (حكومي رسمي)( حليف للغرب حيث هو مصدر الشرعية).

- شرق الشعب أو الجماهير.

ويلاحظ عموما فصام شعبي رسمي وحكومات عسكرية أو وراثية لها القليل من الجمهور.

أولا ً - فيما يتعلق بالغرب الرسمي، فإن الصورة على الشكل التالي:

1- أوروبا القديمة:(فرنسا- بريطانيا- إيطاليا) بشكل خاص، وتتكون النظرة هنا عبر الماضي الاستعماري الدامي ، فقد احتلت هذه الدول المنطقة حوالي الخمسين عاما وما زال لها نفوذها الواسع، وينظر في المنطقة للإنكليز باعتبارهم أصحاب المشروع الصهيوني من خلال وعد بلفور، الذي تم بموجبه تعهدهم بإنشاء وطن قومي لليهود على حساب الفلسطينيين، فالنظرة يسودها الريبة، وعدم ثقة، والشعور بالمرارة والظلم التاريخي، لا سيما أن الدول المذكورة خرجت من المنطقة إثر حرب تحرير صاحبتها الكثير من الآلام والدماء، الأمر الذي ما زال يعيش في ذاكرة الكثيرين.

2- أوروبا الشرقية: فيما يتعلق بهذا الجزء من أوروبا والذي تنتمي إليه جمهورية التشيك، النظرة مختلفة إلى حد ما، فليس هناك ماضي استعماري، وإن كان ارتباطها بالنظام الشيوعي صاحب التاريخ الدموي في العالم العربي، والحليف الرئيس لدكتاتوريات العالم الثالث، جعل النظرة لدول أوروبا الشرقية، ليست عدائية ولكنها ليست حميمة عموما على الصعيد الشعبي، في حين نظر الرسميون لهم كحلفاء دائمين.

3- . الغرب الأمريكي: وهنا تتحد نظرة الحكومات(المعلنة) والنظرة الشعبية إلى حد كبير، باعتبار الغرب الأمريكي هو مصدر تهديد وعدم استقرار في المنطقة، من خلال الدعم المستمر الذي يقدمه لإسرائيل، ومن خلال التدخل غير النزيه وغير العادل في الشؤون المحلية، ومن خلال محاولات الاستحواذ الجشع والمفضوح على ثروات المنطقة، والتجاهل الفاضح لآلام سكانها، والتغطية القانونية للتجاوزات الاسرائلية في مجلس الأمن، حيث يعرقل الفيتو الأمريكي أي تحرك فعال للمجموعة الدولية ضدإسرائيل.

ثانيا ً - فيما يتعلق بالنظرة للشعوب الأوروبية: النظرة ليست عدوانية إلى هذا الحد الذي تصوره حوادث استهداف الغربيين المتكررة في المنطقة، لا أقول أن النظرة تتم دوما في أفق إنساني عالي، لكن لا بد من النظر للقضية من عدة زوايا:

- الأولى : أن الحرب في أي مكان من العالم تحدث فيها الكثير من التجاوزات التي ربما لا تكون مقبولة، أو مبررة في الظروف الطبيعية، ففي تاريخ الطب وعند اندلاع جائحة (إيبولا فيروس في زائير) كان الضحية رقم اثنان هو الجراح الذي تداخل على المريض رقم واحد على ما أذكر.

- الثانية: أنه ولأسباب تاريخية ثقافية إنسانية غالبا لا يتيسر للكثير من البشر الفصل والتمييز بين مواقف الناس المتشابهين،( المواطن الأوروبي ، والعسكري الأوروبي على سبيل المثال).

- الثالثة: إن عدم التكافؤ في القوة، ولامبالاة الغربيين، وطبيعة نظم الحكم في الغرب والتي يفترض أنها تمثل وجهة نظر الأغلبية في الغرب يمكن أن تشكل مبررا لأخطاء السلوك أحيانا، كان فيلسوف التاريخ الإنكليزي جون أرنولد توينبي يدافع عن خطف الفلسطينيين للطائرات في الثلث الأخير من القرن الماضي ويقول( إن الفلسطيني الذي سرقت أرضه، ودمر منزله، وقتل أهله، وجرفت مزرعته، أمام سمع العالم وبصره، ولم يبال به أحد، فلماذا عليه هو أن يبالي بما يحدث للناس).

- رابعا ً- في الطب الربط بين السلوك الخاطئ أو الجرمي والضغوط والمعاناة اليومية، وظروف التنشئة الخاطئة، التي يتعرض لها المرء، فلماذا يتم تجاهل هذا الأمر ويتم الربط بين الثقافة والدين والعرق والإرهاب فيتم اتهام الثقافة العربية، أو الدين الإسلامي، أو العرق العربي، ويتم تجاهل المعاناة اليومية الإنسانية.

- خامسا ً - تصور العرب أن عدالة قضيتهم هي من الوضوح لدي الغربيين كما هي لديهم، ومن ثم فهم يجزون عن اتخاذ موقف إنساني ملح.

- سادسا ًالصورة غير عادلة، فنحن نعلم ما يفعله طرف واحد ولكن من يعلم ما تفعله القوات الأمريكية؟ وما هو عمق الدمار والتخريب الذي تسببه

للإنسان والتراب في العراق، لا أحد يعرف بأي ثمن حسمت معركة الفالوجة ولا معركة القائم، ولا حقيقة النشاط اليومي لقوات الاحتلال.

- سابعا ً- إن قوات الاحتلال تسيطر على الأخبار بدرجة شبه تامة،ومن ثم لا ينشر إلا ما يخدم سياساتها.

- ثامنا ً- تلعب الأحكام والمواقف المسبقة التي صنعها التايخ واستغلتها الوسائط دورا كبيراً في جعل الرؤية مشوشة أو مشوهة إلى هذا الحد أو ذاك.

**كيف يبدوا الشرقيون في مواقفهم:

1- الفريق الأول: أعتقد أنها فئة محدودة تنظر للغرب كعدو تقليدي دائم، ربما يعزز التاريخ الدموي للعلاقة مع الغرب مثل هذا التصور، وربما يعزز ذلك أيضا نوع من الفهم التاريخي الذي يتم استحضاره للدين والمرتبط أساسا ً بالأوضاع الاستثنائية التي كان المسلمون الأوائل يخوضون فيها حربا ضد الغربيين المسيحيين، ويتم تعميم هذه الظروف التاريخية، الاستثنائية لنقص المعرفة التاريخية، ونقص التأهيل العلمي في عالمنا، ومثل هذه العقلية موجودة في كل ثقافات العالم، ويمكن أن نضع منفذي 11أيلول و11 مارس ضمن هذا التيار، إنهم ليسوا أغلبية في عالمنا لكنهم الفريق الأعلى صوتا.

2- الفريق الثاني: وهو ما أسميه فريق الأقليات، وفيه أقليتان:

الأولى - ترى الغرب قبلة مقدسة، يجب التوجه لها والتخلي عن كل ما في عالمنا في الماضي والحاضر، وأننا لا يمكن أن نصبح بشرا ما لم نستنسخ الحالة الأوروبية الحديثة، أعتقد أن أصحاب هذه الاتجاه أقلية قليلة، عاجزة عن النمو والتوسع وهي تمضي للتلاشي باستمرار.

الثانية – ترى الغرب كطليعة متقدمة للركب الإنساني، وقد حقق في رحلته مكتسبات خدمت الجنس الإنساني كله وسهلت حياته، وهيئت له القدرة على النمو والارتقاء السريع، وهذه المكتسبات منها ما هو مادي تقني ومنها ما هو أخلاقي إنساني وهو الأكثر أهمية، والذي تجلى في الديمقراطية أو التداول السلمي للسلطة، الذي هو الحلقة المفقودة في عالمنا العربي حيث ما زال العالم السياسي أو تداول السلطة عندنا متوقفا في العصور الوسطى، وهو يتراوح بين الحرب الأهلية والتوريث، هذه الفئة والتي أحب أن أحسب عليها غير راضية،عموما عن سلوك الغرب غير العادل، عما يحدث في المنطقة، لكن لا تعتقد أن مواقف الغرب نهائية، إنما هي في غالبيتها ناتجة عن سوء الفهم و خطأ التصور ونقص المعرفة، أو المعرفة المشوهة التي نتجت عن الاحتكاك التاريخي المؤلم والذي شكل عموما وبصورة غير واعية الرأي العام الغربي، لكنهم ينظرون للغربيين من خلال النماذج الإنسانية العالية التي تمثل أتباع موسى الحقيقيين من اليهود وكذلك أتباع المسيح الحقيقيين، وهم بنفس الوقت أتباع محمد الحقيقيين وإن لم يكونوا مسلمين، لأن قضية الإيمان والدين - كما يعرضها القرآن - هي قضية العدالة والإنسان أكثر مما هي قضية الإله والتيولوجيا، وهم بنفس الوقت الورثة الحقيقيين للفلاسفة الإنسانيين الكبار في عصر الانوار، هؤلاء الذين يعارضون وبكل الصوت المسموع الممارسات الخاطئة المتوحشة، في المنطقة والعالم، الذين يبصرون الظلم ويعبرون عن مواقفهم المعارضة له، مثل البرلماني البريطاني جورج غالاوي الذي ضحى بتاريخه الطويل في حزب العمال في سبيل نصرته للحقيقة، والبريطانية الشابة راشيل كوري التي فقدت روحها وهي تحاول إيقاف الهدم الظالم لبيوت الفلسطينيين وممتلكاتهم،هناك الكثير من القامات الإنسانية العالية بين الأمريكيين واليهود ولكن تخونني الذاكرة، وهناك ملايين الجنود المجهولين من أنصار الحقيقية الذي خرجوا في كل شوارع أوروبا وأمريكا يعبرون عن معارضتهم للحرب غير العادلة، والسياسات غير الإنسانية لإسرائيل، وملايين الأسبان الذي طردوا أزنار من الحكم، لأنه خذلهم في موقفه من الحرب، وملايين البريطانيين الذي قالوا لا للسيد بلير لم تعد موضع احترام لنا رغم نجاحاتك في السياسة الداخلية ، هؤلاء الأبرار هم طلائع المستقبل الإنساني وهم رواد التعايش في العالم المقبل، ولكن مما يؤسف له أن لعبة السياسة حتى في الغرب توصل للحكم أناسا ينتمون عقليا للماضي الإنساني أكثر مما ينتمون للمستقبل.

الفريق الثالث: هم الأغلبية الصامتة، وهم موجودون في كل مجتمع، مستعدون لخوض كل معركة يقتنعون بعدالتها، لكن همهم الأول هو التعايش، والأمن، لا يضمرون الحقد والعدوان على أحد، ولا يفكرون بشن الحرب على أحد، لكنهم يستطيعون تمييز لون الظلم عندما يرونه، ويتخذون منه موقفا وإن لم يعبروا عنه.

أعتقد أن هذه هي اللوحة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. محمد العمار

ليست هناك تعليقات: