الثلاثاء، 29 يوليو 2008

جودت سعيد في كلمات

بداية أتوجه بالشكر الجزيل لدار الفكر، ممثلة بالأستاذ عدنان سالم الناشر الرسالي، الذي يهتم بالبيان اهتمامه بالنشر، وإن كان النشر كلغة يتضمن البيان، وأشكر لهم الاهتمام برجال الفكر، في عالم قلما يكونون فيه محلّ اهتمام، وأشكره بصفة شخصية لأنه منحني الفرصة للحديث عن فكر طالما عانيت واجتهدت في تحصيله. وأنا أستدرك في هذه العجالة ما فاتني في مساهمتي التي أعتقدت أنها بلغت حد الكمال، لأكتشف لاحقا أنها أغفلت نقاطا أساسية، و ما ذكر فيها لم يذكر بالطريقة المثلى للبيان، وانطلاقا من هذا الإحساس أذكر الآن ما أسميه مفاهيماً مفتاحيةً في هذا الفكر المتميز: 1) الأصالة والمعاصرة : ربما يكون سؤال الأصالة والمعاصرة، من أكثر أسئلة النهضة إلحاحا، حيث يفترق المهتمون بين معاصر منقطع عن الأصول، وتراثي يجهل روح العصر، وأعتقد أن الأستاذ جودت نموذج المفكر الذي استطاع بجهد واجتهاد متميزين، أن يصل الأصالة بالمعاصرة، ففي الوقت الذي يتابع فيه آخر تطورات الفكر الإنساني، ويجعل التاريخ الإنساني مرجعا يميز الحق من الباطل، يبقي منطلقاته متصلة السند بالقرآن، باعتباره الكتاب المؤسس للتراث العربي الإسلامي، معتبراً إعادة قراءته في ضوء المكتسبات الإنسانية الحديثة، والتراث الإنساني من أقدس الواجبات لكل مهتم بقضية الحضارة والتقدم في هذه الأمة، لاسيما أن تجارب القرن الماضي أثبتت استحالة استنهاض الأمة بغير نداء القرآن، ومن ثَمَّ استحالة أي نهضة، باعتبارالمعامل الإنساني أساس كلٍّ تقدم، ومن ثَمّ فإن التحدي الكبير، أن يدخل المسلم العالم يحمل كتابه ويقرؤه بروح العصر. 2) السلمية : أعتقد أن السلم هو العلامة الفارقة لفكر جودت سعيد ، وهو منذ أربعين عاما، يوم كتب عن السلم (للإعلان وليس للإقناع)، يحفر في هذا الموضوع، ويراكم له الأدلة من الكون والكتاب، للدرجة التي تجعله يقطع أن السلم هو المدخل الوحيد لعالم إنساني تحكمه قيم الخير والعدالة، وأن هذا البذرة التي زرعها الأنبياء أستغلظت اليوم واستوت على سوقها، بعد أن روتها مياه التقنية، التي طورت السلاح إلى حدود جعلت استخدامه الفعال يهدد الوجود الإنساني، إن السلم هو سبيل تحرير الداخل، ومواجهة الخارج، وهو مناخ تنمية الإنسان، وحوارِ الأديان، وتصحيحِ الإيمان، وهو مناخ عمل الفكر وولادة العلم، وتوحيد الله، وبناء الحضارات. 3) العلمية: ونحن لا نذكر هذه الكلمة كشعار، بل نصفها كممارسة في استقراء الأحداث التاريخية، والظواهر الكونية، وقراءة آيات الكتاب، تمخضت عن فهم للعلم، مختلف عما هو عند الغربيين، والمسلمين، إذ العلم عنده مرتبط بالعواقب التي يقول أنها ( تجربة وزيادة) فالعلم ليس ما يمكن تجريبه كما هو شائع، بل ما أثبت تجريبه عبر المدد الطويلة من التاريخ، أنه مطّرد و محكوم بالسنن بحيث أن ممارسات بعينها تعطي نتائج بعينها، وهو يعتبر الاجتماع والأنفس علما كالكيمياء والفيزياء مستعينا في تقرير ذلك باستقراء آيات الله في الكون، متكئا على آياته في الكتاب، وبناء على هذا التعريف للعلم، يصل إلى أن الله واليوم الآخر علم بنفس المنطق الذي يمكن من خلاله إثبات علمية أية قضية. 4) العالمية : وهي ثمرة مباشرة للعلمية، لأن كل ما يتحول إلى علم يتحول إلى عالمي، وهو يعتقد أن العلم قادر على قطع الجدل الديني مثلما قطع الجدل في الفلك والفيزياء، وأن العلم سوف يمكّن من اكتشاف دين الله، منقىً من درن الأقوام، وملابسات التاريخ، وتحريفات السدنة، وتأويلات النصوصيين، 5) العقلانية العملية (العواقبية) : من العلامات الفارقة المهمة في فكر جودت سعيد تعريفه المتميز للعقل، باعتباره مفهوما بعديا، يتلو ارتباط الأسباب بالنتائج في عالم الواقع، والارتباط المطّرد يعيدنا لمفهوم العلم، حيث السنن لا تتغير ولا تتبدل، وعندما تكون نتائج هذا الاطراد إيجابية( نافعة لأكثر الناس لأطول زمن ممكن) فنحن أمام العقل، أو المعقول الذي يُؤسِّس له قرآنيا استفهامُ إبراهيم عن آلهة قومه وأساس علاقتهم بها( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ هل ينفعونكم أو يضرون؟) 6) الإنسانية : ويمكن الحديث عن الإنسانية كمفهوم مفتاحي عند جودت سعيد من خلال: أ‌- اعتباره جميع الأديان تجليات تاريخية لحقيقة واحدة، واعتبارالمشكلة الإنسانية مشكلة واحدة، وأن البشر جميعا يخضعون لنفس السنن والقوانين، وأن النجاحات التي تحققها أية أمة في مواجهة مشاكلها هي مكتسبات إنسانية تخدم قضية التقدم عند الآخرين. ب‌- اعتباره المقدس في خدمة الإنسان، وأنه جاء لجعل حياة الناس أقل معاناة وألما وأكثر رشدا وهدى، وأن كل استخدام للمقدس يستلب الإنسان ويضيّع جهده ويضعه في صراع مع أخيه الإنسان مناقض لروح الدين مبطل لمعنى الإيمان. ت‌- المرأة : وهي نقطة علام أخرى في فكره وسلوكه وهو ينطلق في ذلك من: 1 - رؤية آفاقية تبين أن وضع المرأة ثمرة تطور تاريخي أكثر منه نتيجة تفسير للنصوص، فحيث تكون القوة العضلية قيمة أساسية، تكون المرأة أسيرة تكوينها البيولوجي، لكن مع تطور قيم الحياة باتجاه تحييد القوة العضلية، لايبقى ما يبرر تميّز الذكر على الأنثى. 2 - المنطلقات الفكرية لجودت سعيد، حيث القوة وما تنتجه من عنف من أكبر المحرمات، وأن عالم الإيمان والإنسان، يبدأ بلا إكراه حيث تبطل القوة وتبزغ الفكرة، وفي هذا الأفق لا يعود مقبولا ولا مبررا أن نفرق بين الرجل والمرأة إلا على أساس الميزان الإنساني ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

ليست هناك تعليقات: