السبت، 2 أغسطس 2008

جودت سعيد كما أفهمه وكيف تعرفت عليه

جودت سعيد كما أفهمه وكيف تعرفت عليه لقد أولعت بالقراءة في وقت مبكر من حياتي، وربما تكون كتبُ الِّسير الشعبية، وسردُها العذبُ المشوقُ هي التي عزّزت صلتي بالكتاب، ثم كانت صلتي بجماعة الدعوة والتبليغ، ليتحول هذا الولع إلى قراءة القرآن، والحديث وكتب التراث والفكر الإسلامي، فقد عرفت من خلال جماعة الدعوة والتبليغ معنى الانتماء والمسؤولية الاجتماعية، ونما من خلالها اهتمامي بالدين والإنسان، وبدأت أشعر بأهمية القراءة، وضرورتها في رسم صورة عن العالم والإنسان والأديان، الأمر الذي يتطلب مزيدا من القراءة والاطلاع، ومن هنا بدأت بقراءة ما هو متاح في الفكر الإسلامي المعاصر. في هذا السياق تعرفت على المفكر الإسلامي جودت سعيد، فقرأت له وأنا في الصف الثاني الثانوي كتاب فقدان التوازن الاجتماعي، وقد أُخِذتُ بطريقته في عرض المسألة على أساس إنساني، بطريقة لم آلفها في الفكر الإسلامي المعاصر- في حدود اطلاعي ومعرفتي - وتذوقت عنده شيئا لم أتذوقه عند أحد غيره من قبل، ولا زلت أذكر أنه استشهد بالمؤرخ الإنكليزي الشهير توينبي، ومصطلحاته مثل الدونية الحضارية والتأنق الحضاري والمنبوذية، وكم أعجبني أسلوبه في طرح الموضوع ومعالجته، لقد تملكني أحساس لم أستطع أن اتبينه إلا في وقت متأخر جدا، وهو ما يمكنني التعبير عنه الآن، أنه وضْعُ مشكلة الإنسان المسلم في سياق المشكلة الإنسانية العامة، وأن حلّ المشكلتين له سبيل واحد، وذلك عندما استخدم ما هو إنساني لدعم ما هو إسلامي أثناء بحثه مشكلة الحجاب، الأمر الذي طرحه مرة أخرى في كتاب حتى يغيروا، عندما قال أحب أن ننظر إلى مشكلة المسلم كمشكلة مجتمع وليس كمشكلة دين، ولكن ولسوء حظي وقف إدراكي لفرادة هذا الفكر عند هذه الملاحظات الصغيرة، ولم أتمكن من إدراك الآفاق البعيدة، لهذا الفكر الإنساني الرحب، كما صرت أفهمه فيما بعد. وربما لأسباب تتعلق بعيوب في بنائي الثقافي ، أو بعدم التقدير الكافي لهذا الفكر الذي أحسست فرادته كما أسلفت، لم أفكر في البحث عن الكاتب ومؤلفاته في السوق، فوقفت علاقتي به، عند كتاب فقدان التوازنالاجتماعي، وحس التميز فيه، الذي أحسست والذكرى الطيبة لهذا التميز . وفي الثلث الأول من ثمانينيات القرن الماضي، في ظروف المحنة العصيبة القاسية في سوريا، حيث كان الشباب الجامعي المتدين، في زمن الأزمة والحرب الأهلية في سوريا، يعيش مشاعر المرارة والألم، ويجتر الحزن والاحباط، وتسكنه هواجس الارتباك والخوف. وكانت هذه المشاعر والهواجس، هي ما يمكن أن تقرأه في الصمت المخيم على الجميع، والإمساك القصدي عن الخوض في كل ما يتعلق بالشأن العام، والابتعاد عن البحث في أية قضية جادة، حتى أنه كان يشار إلى كل من تسول له نفسه البحث في قضايا الوطن العامة، أو إبداء أي نوع من الاحتجاج على السياسات الحكومية، كان يشار إليه باعتباره مرتبطا بالأمن، إنما يقول ما يقول بغية الإيقاع بالآخرين، في هذه الأجواء، وخلال السعي الحثيث لكسر جدار الصمت، والخروج من هذا الوضع غيرالإنساني، باعتبار الإنسان ( حيوان ناطق)، وعبر البحث الدائب، للخروج من هذه الدوامة القاتلة المقعدة، التي تربط التدين بالعنف في لازمة لايبدو لها انفكاك، وفي معرض محاولات العمل على فتح ثقب من النور، في هذا الأفق المعتم المسدود، وقع في يدي كتاب مذهب ابن آدم الأول، فقرأته ثم قرأته ثم قرأته، والذي دفعني للقراءة المتكررة هو الإحساس بالتحرر، الذي تلا قراءتي الكتاب، والنشوة بالنصر على العقبة الكؤود، التي كانت تشل حركتي، وتسرق الطمأنينة والهدوء من قلبي، وتخلق الفصام النكد، والتمزق المؤلم في مشاعري ومواقفي. لقد فهمت - عندما قرأته - أن ما كان يحدث في سوريا يومها فتنة على أن أتجنبها، وليس حربا مقدسة يتوجب عليّ أن أخوضها، وتعلمت أن معارك الفكر تحسم بالفكر، وتعرفت على النبوات من جديد، وأكتشفت أساليب الأنبياء في مواجهة الطغاة، لقد تعلمت أن (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)، وتعرفت على سيد الشهداء فإذا به ليس الذي يقتل أو يغتال أو يفجر إنه- وبكل أسى ومرارة أقول هذا - ذاك الذي تسمي أدبياتنا (الإسلامية) ميتته ميتة الخروف!! إنه على حد وصف النبي (ص) (حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)، إنه شهيد الفكر والموقف والكلمة، وليس شهيد السيف أو المسدس أو الحزام الناسف و السيارة المفخخة. لقد أحسست بالصدمة حين اكشفت إلى أية درجة ابتعدنا عن الروح القرآني والهدي النبوي، وكم تبلغ بنا الجرأة وكم نبتعد عن روح الدين، حينما يكون - في نظرنا - ما اعتبره النبي أشرف الميتات، هو أحقرها وأقلها قيمة، وكيف ننظر إلى مااعتبره النبي قمة الفداء ورأس عمود الجهاد فنعتبره مغفلية يفتقد صاحبها الحكمة وبعد النظر وحصافة الفكر. لقد تعلمت من ابن آدم كيف أميز ضحايا الفكر الخاطئ، عمن يخوضون معارك الحق الناصع، تعلمت من (نبأ ابني آدم بالحق) أن معركة الحق( معركة الله والقرآن و الحقيقة والإنسان) هي معركة عقل وعلم وجهد وبناء، وليس عنف وعضلات وتدمير وقتل، تعلمت أن معركة الحق يخوضها الذين يحملون أعلى المشاعر الإنسانية، وليس ضحايا النزعات الفكرية المريضة، يخوضها الذين يجعلون أنفسهم مادة للتضحية، في سبيل خدمة مبادئهم وانقاذ أمثالهم من البشر، وليس الذي يقدمون الآخرين قرابين بشرية على مذبح تصوراتهم ورؤاهم الذاتية وخيالاتهم المريضة، تعلمت من ابن آدم كيف لا يكون ديني عورة يسوؤني كشفُها ومعرفةُ أمرها، وكيف لا يكون ديني سرّا أجتهد في كتمانه و إخفائه، و تعلمت من ابن آدم كيف لا يكون إيماني تهمة أنكرها، وتعلمت أيضا أنه عندما يكون إيماني تهمة، فإنها التهمة التي أتيه فخرا أن توجه لي، ويشرفني أن أتهم بها، وأنا مستعد كل الاستعداد، لدفع الثمن الذي تتطلبه مثل هذه التهمة، وكيف أن مثل هذه التهمة وسامُ تقدير أعتزبه، وشهادةُ حسن سيرة أقدرها كل التقدير، وعلامةُ صحة مسيرة تعزز تقدمي ( إنك على الطريق) ( وما نقموا منهم إلأا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)، وعندها أيضا فهمت معنى وقيمة ((طلع البدر علينا))، الأنشودة الشائعة على كل لسان في عالمنا، حيث يحفظها معظم الأطفال في العالم الإسلامي، وتبينت إلى أية درجة فقدتْ هذه الأنشودةُ قيمتها وضاع معناها، لماذا شبّه أهلُ المدينة طلوع النبي عليهم بطلوع البدر؟ وكيف يكون طلوعُ البدر؟ وما صلة هذا المعنى بقول الله ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)؟. لقد انتبهت أن النور بصيرةٌ وهدى لا يخالطها ما في ضوء الشمس من حر وأذى، وإن كان يحرر المرء من عمى الليل وكوارث الظلمة، وهو المعنى الذي ذكره النبي في حديث الرؤية ( هل تضارون برؤية البدر؟). إن الرسول، وحامل الفكر (النور)، يطلع بطريقة البدر ( النور)، حيث لاقتل ولا أذى ولافساد ولا سفك دماء، لقد فهمت للمرة الأولى معنى مكة حيث المخاض الذي يتولد منه مجتمع الرشد، وحيث الالتزام الصارم بقوانين التأسيس والتي يمكن إيجازها: 1 – عدم ممارسة أي نوع من أنواع العنف المادي والمعنوي( لا عنف السنان ولا عنف اللسان).مع الاصرار على ممارسة المبدأ والتعبير عنه( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة)- (ولاتسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .....). 2- الإعلان الثابت الشجاع عن الذات والمبدأ. ( وقال إنني من المسلمين ) حيث تحتوي هذه العبارة الموجزة إعلانا عن الذات، وتصريحا عن الانتماء. 3 - دعوة الناس عبر الجدال والحكمة والموعظة الحسنة إلى ما نؤمن به، واعتبار ذلك العمل من أكثر الأعمال قيمة وأهمية، في البناء، وأهم ما يجدر بالمؤمن القيام به ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ). 4 – الالتزام الصارم بالقيم التي ندعو إليها. بحيث يكون المسلم صورة نابضة بالحياة عن الفكر الذي يدعو الناس إليه، ونموذجا واقعيا متحركا لما يرفع من شعارات، وما يعلن من مبادئ( وعمل صالحا ). 5 – الصبر على عواقب هذه المواجهة والمصارحة، عندما يرفض المجتمع بالمبادئ التي نؤمن بها وندعو إليها، والسياق القرآني يوحي بأن الصبر طريق يوصل إلى الأهداف، عندما نتمكن من سلوك سبيل الرشد والتزام كلمة التقوى.( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) بل إنه ليؤكد أن الصبر والتزام كلمة التقوى، والسيرة الرسالية النظيفة يجعلان النتائج أكيدة، والخسائر في الحدود الدنيا،( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)، بل إنه ليؤكد أن الصبر والتزام كلمة التقوى، يعطيان حامل الدعوة نوعا من المناعة، التي تجعله عصيا على كل كيد أو عدوان (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)(120). وفهمت معنى المدينة، حيث تكوّن مجتمع الرشد بأساليب رشيدة، لا مجال للعنف فيها من خلال كف الأذى والدعوة إلى المبدأ، وتمثّله في الحياة العامة،( أي الإعلان العملي عنه)، والصبرعلى الأذى، والتنوير، (أي نشر النور بين الناس)، الأمر الذي قاد إلى تغيير ما بأنفس القوم، عن محمد ودين محمد، ومن ثم كان سببا في تغيير مواقفهم منه ومن دعوته، فأسلموا قيادهم لممثل الفكر التغييري( النبي) وبايعوه قائدا، وأعطوا له من العهود والمواثيق ما شهدته بيعتا العقبة، وما نعرفه جميعا من كتب السيرة، فأسس دولة مدنية تعترف بحقوق (المواطنة) كما نعرفها اليوم، وتؤمن بالتعددية كما يمارسها العديد من المجتمعات اليوم، ليثبت أنها مبدأ قرآني اساسي يفتح المجال لاستباق الخيرات الذي هو غاية التعدد ، ويؤخذ الناس فيها بأعمالهم وجرائرها، وليس بانتماءاتهم الدينية، وكتب دستورها في أفق إنساني سام يصعب تصوره في مثل تلك البيئة القاسية، في ذلك الوقت المبكر من تاريخ البشر، وحدد علاقاتها الداخلية والخارجية، ورسم خطوط التعامل فيما بين مواطنيها، فبنى دولة الحق والقانون، حيث يعيش الناس أكفاء متساويين أمام القانون، بحيث (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)، وهذا معنى لا إله إلا الله، ومعنى التوحيد، إذ أن توحيد الله الذي في السماء له مكافئ أرضي، هو أن يكون الناس متساويين أمام القانون، دون النظر لأي اعتبار آخر كاللون والعرق والجنس والدين. ورسّخ صيغ التعامل بين الدولة الناشئة والكيانات المجاورة، ضمن الآليات المتاحة في عصره، وحدد آليات للدفاع عنها ضمن ما هو ممكن في عصره أيضا، دون أن يعني ذلك أنه لم يستشرف آفاقا جديدة في كل مجال من مجالات التعامل الإنساني. وانطلاقا من معطيات العصر وعلى هدي مبادئ دينها، ودون تجاوز الضرورات التاريخية خاضت الدولة الجديدة معاركها، وواجهت الصعاب المحيطة، فاستخدمت الوسائل المادية والقانونية والاجتماعية المتاحة لخدمة الأهداف الإسلامية في الحدود الدنيا من الخسائر والآلام، وفي هذا السياق، وبعد تكون مجتمع الرشد، أتى الأمر بالجهاد في آية الإذن إلى أهله، وبشروطه[1] (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذي أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)، وقد أنيط أمر إعلان الجهاد بالجهة التي خولها المجتمع الدفاع عنه وحماية حدوده، ولم يتركه نهبة للناهبين، أو ذريعة بيد المتذرعين، أو هملا بيد كل من يظن في نفسه الرشد والأهلية، أو يُحس بنفسه التشوف للأمر، كما حدث فيما بعد عندما زالت دولة الرشد، واستوطن الفكر الخوارجي في الأمة، حيث راحت الأمة تسبح في لجة من الدماء التي سفكت في الحروب الأهلية التي أتت على قوّتها، وأوهنت عزيمتها، وفرقت كلمتها، فتوقفت حركة الفتح الذي فقد الرشد، واحتدمت الصراعات الأهلية التي كان أشدها إيلاما على الضمير المسلم استباحة المدينة النبوية في حرب مقدسة!!!!!!!!!!! لقد غيّر الكتاب في نفسي أشياء كثيرة، ربما لم أتمكن من وعيها بشكل جلي حتى اليوم، لكن الذي حدث لي عموما هو نوع من الانعتاق، أنه أشبه ما يكون بــ(الذي نشط من عقال) كما في الحديث الشريف، لقد شعرت بمعنى الحرية، وتذوقت لذة الإنطلاق من أسوار الوهم التي صنعتها حولي الأفكار الخاطئة، وعندها أدركت إلى أي درجة تكون المسلمات الفكرية الخاطئة عقبة تحول دون التقدم والحركة الصحيحة المنتجة، بل وحتى حائلا دون التراجع عن الخطأ، وتصحيح المسار أي التوبة حسب المصطلح الإسلامي، وعندها أحسست أن هذا الرجل بدعاً في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر (بل والإنساني كما سيتبين لي لاحقا عبرصحبته الطويلة)، فبدأت في البحث عن كتبه وقرأتها جميعا. قرأت (حتى يغيروا) لأكتشف فيه أن التغييّر ميزة للتاريخ الإنساني، وأن هذا التغيّير يمكن أن يكون تلقائيا، ويمكن أن يكون صناعيا تتدخل فيه الإرادة البشرية، وأنه يخضع لسنة وقانون، وأن الذي يعرف هذا القانون يتمكن من التحكم بعملية التغيير، فيسرعها أو يعوقها أو يغير وجهتها، واكتشفت أن هذا التغيير يتحرر من أسر الحتمية التاريخية ليكون وليد حتمية تتقرر في أعماق النفوس، على حد وصف المفكر الجزائري مالك بن نبي في تقديمه للكتاب، أي أن التغيير عملية تبدأ في الفكر قبل أن تمتد إلى الواقع، وأن الواقع دليل دامغ على الفهم والفكر، فإذا كان الواقع مؤلما داميا فلا شك أن الفكر مظلم متخلف، لقد تعلمت من (حتى يغيروا ) أن الإنسان لا يمكن أن يتحرك مالم تتضح له معالم دور يقوم به، وأنه لايمكن أن يفكر بالتغيير مالم يتبين إمكان حدوثه، ومن قدرته على لعب دور في هذه العملية، وطبيعة الدورالذي سيلعبه فيها، وأن الإنسان الذي اتضحت له مثل هذه الجوانب لا يمكن منعه من إحداث التغيير أو إيقافه عن أداء دوره الاجتماعي فيه، وهذا ما فعله النبي (ص) عندما غيِّر الكثير من الأسماء التاريخية الكبيرة، التي غيرت التاريخ فيما بعد، مثل ياسر وسمية وعمار ومصعب وكذلك بلال الذي كان في مرحلة الشيئية والمتاع، فنقله النبي (ص) إلى الإنسانية ( الإيمان) والتي تعني أول ما تعني تصحيح تصورك للوجود، وتحديد موضعك فيه وواجبك اتجاهه، وتعني كذلك أن تعتقد أنك حر ومسؤول، وأنك تستطيع أن تفعل أو تقول شيئا، وأن هذا الذي تقوله أو تفعله يكون له ثقل في عملية التغيير مهما كان ضئيلا، ولكنه مهم وضروري للحركة والانطلاق، هذا ما صنعه بلال عندما كان يردد(أحدٌ أحدٌ)، أي يقوم بواجبه في أن يقول ما يعتقد أنه صواب، ويبدي الاستعداد لتحمل التبعات، الأمر الذي ينكص عنه كثير من مواطنينا الأحرار في هذا العصر. ( حيث نسبة المشاركة في الانتخابات في الديمقراطيات العتيدة لا تبلغ الـ50%)، إن هذا الموقف الذي اتخذه بلال( ر) يدل بشكل لا لبس فيه( أن الإنسان لا يذل إلا مختارا ولا يستعبد إن لم يقبل العبودية)( المعنى الذي شرحه لابواسييه الفرنسي في كتاب العبودية المختارة الذي قدم له الأستاذ جودت)، لقد فتح (حتى يغيروا) عيوني على معنى السنة في القرآن، وأخرجني من تيه الفوضى الخوارقية، والتسليم المخادع الكاذب(للإرادة الحرة الطليقة للإله!)، والذي ينطوي فيما ينطوي على تنزيه الذات الإنسانية بدل إدانتها، واتهام الإرادة الإلهية- سبحان الله عما يصفون- بدل تنزيهها عندما تتخلف النتائج، وتحدث المصائب، وتحل الكوارث، في مفارقة غريبة عجيبة لايسيغها الضمير المسلم في حالة الوعي واليقظة. لقد تعلمت من (حتى يغيروا) أن السنة في القرآن تتعلق بالأنفس والاجتماع مثلما تتعلق بالفلك والطبيعة، وأن هذه السنة الإلهية عامة تنتظم البشرية لا تعرف محاباة ولا استثناء، والذين اعتقدوا أنهم استثناءا على الله أبطل الله دعواهم بدليل أنهم ينالون العقوبة مثل غيرهم من البشر، عندما يتجاهلون السنن (وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)، والذين قالوا أن لهم ميزة خاصة في التعامل عند الله غير البشر الآخرين، رد الله ادعاءهم بأن طلب منهم الدليل على هذا الافتراء المضلل الذي، لا رصيد له في الدنيا ولا في الآخرة،(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80). لقد علمني حتى يغيروا ( أن البذل لا يكون مجديا ما لم تتوفر شروطه الفنية)، فليس مهماً أن تبذل، إن لم تتعرف على الشروط الموضوعية التي تعطي للبذل قيمة وجدوى، والتي تجعل البذل يساهم في تقدم القضية ودفعها للأمام، وهذا هو الفرق بين الشهيد والقربان البشري الذي أبطلته الأديان. لقد تعلمت أيضا أن التغيير عملية بطيئة مستمرة، تتداخل فيها الكثير من العوامل، والمؤثرات المتفاوتة التأثير، المختلفة الوضوح، و التي ربما تفوت الملاحظ غير النبيه( كما لاحظ ابن خلدون في المقدمة) الذي يغفل عن التغيرات اليومية الصغيرة، ولا يحس إلا عندما تدهمه التغيرات الكبرى والأحداث المزلزلة لأنه قد فاته (أن كل خبرة أو فكرة تقد م للإنسان تغير موقفه ). لقد علمني ( حتى يغيروا) أن التاريخ الإنساني، هو صناعة بشرية سواء أدرك البشر ذلك أم لم يدركوا، وأن جهلهم هذه الحقيقة لايغير سنة التاريخ، ولا يبطل عملها، ولكنه يمنعهم من اتخاذ مواقف صحيحة، تمكنهم من مواجهة أحداث الحياة بطريقة مجدية، وصرت أقرأ قول الله (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165) بروح جديدة، تجعلني ألتفت إلى نفسي عندما تتخلف النتائج أو تقع الأخطاء، وأفهم الحديث القدسي(يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) باعتباره حديثا عن النتائج الدنيوية مثلما هو حديث عن النتائج الأخروية، لقد اكتشفت في كتاب الله قوله (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)، الآية التي لم أكن أبصرها قبل اليوم، رغم كثرة قراءتي لها عبر حلي وترحالي الدائم في الكتاب الكريم. لقد تعلمت من ( حتى يغيروا) أن التاريخ يحدث بتداخل العمل الإلهي والعمل البشري، وأن سنة الله تقتضى أن لايحدث العمل الإلهي إلا إذا قام البشر بواجبهم، وحياة محمد (ص) هي تفسير عملي لهذه القاعدة القرآنية، حيث كان عليه السلام يستنفذ الوسع في الجهد والطاقة في الأخذ بالأسباب ثم يلجأ إلى ربه مستعينا مستنصرا، الأمر الذي اختلط على المسلمين إلى حد بعيد عند كتابة سيرة النبي (ص)، ورغم أن أحداث السيرة تظهر الجهد البشري بوضوح يفقؤ العين، إلا أن المناخ العام المشبع بالخارقة يشوش رؤية مثل هذه الحقيقة رغم وضوحها السافر. وهذا المعنى الذي يسعى المفكر لإبرازه، مطروق في آيات الكتاب في مواضع عدة وهو أكثر ما يكون وضوحا في سورة الواقعة، حيث أثبت الله سبحانه للبشر دورا في العمل الذي يسلم الجميع، أنه عمل إلهي محض، وأثبت الله سبحانه أولوية هذا العمل البشري بما لايترك مجالا لاحتجاج محتج أو اعتذار معتذر(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58)أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ(59)، وهذا المعنى وضحه الفيلسوف المسلم درة الشرق محمد إقبال في إحدى قصائده فقال: ديدن المؤمن للحق التجاء يحكم التدبير منه بالدعاء ثم قرأت كتاب العمل قدرة وإرادة، فوجدت فيه نوعا من البحث التأسيسي، والاستقصاء المتأني الذي لم نألفه في الكتابات الإسلامية المعاصرة، وأحسست أن الذي كتب ابن آدم، ثم كتب حتى يغيروا، ثم كتب العمل، رجل يطمح في وضع اسس فكرية لتغيير حقيقي في العالم الإسلامي، حيث تم من خلال الكتاب الأول استبعاد العنف كأسلوب في مقاربة القضايا وحل المشكلات، سواء على مستوى المبدأ أو على مستوى التكتيك، وبنفس الطريقة تم استبعاد العنف كوسيلة لازمة لبناء المجتمع المسلم كما يتصور الكثيرون، وتم استبعاد العنف كوسيلة في المحافظة على المجتمع المسلم، والحيلولة دون تفسخه، وتم استبعاد العنف كوسيلة قابلة للإستخدام في إعادة البناء وإنشاء المجتمع الإسلامي من جديد، ومن خلال الكتاب الثاني( حتى يغيروا) شرح فلسفة التغيير ووزّع الأدوار، في محاولة لتحرير إرادة المسلم من بعض المفاهيم المسيطرة، التي تشل حركته عند بداية العمل، مثل الجبرية الناشئة عن الخلط بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية، والتي تمنعه من الحركة عند بدأ العمل بانتظار الفرج من رب الفرج، وتخلق الخلط المربك عند وقوع الكوارث والمصائب، حيث يحول الفهم الخاطيء لمعنى الإرادة الإلهية بين المسلم وبين التوبة والمراجعة، باعتبار أن النتائج الطيبة تخلفت، والفواجع وقعت، ليس لقصور في سعي المسلم وحركته، بل لأمر يعلمه الله ويريده، ( تعالى الله عما يشركون)و(سبحان الله عما يصفون) وفي الكتاب الثالث والذي أنظر إليه اليوم باعتباره فلسفة للعمل الإنساني، وليس للعمل الإسلامي وحسب، يبدأ الكاتب الذي شعر أنه باستبعاد العنف -كأداة محتملة للتغيير- قد ضيق الخيارات أمام المسلم، وقاده إلى معترك الفكر كمدخل وحيد لتغيير حقيقي، ثم وضعه أمام نفسه في كتاب حتى يغيروا عندما أثبت له أن انطلاق عملية التغيير الكبرى إنما يوقفها تبلد المسلم وارتباكه وتخلفه عن أداء الدور المنوط به فيها، وإن تعثر عملية التغيير سببه أنه لم يبدأ الخطوة الأولى. يبدأ الكاتب في كتاب العمل قدرة وإرادة، بتحليل مشكلة العمل ليبين للمسلم المكان الذي ينبغي أن يكون محل جهده واجتهاده، فيقسّم العمل إلى مركبيه الأساسيين، وهما القدرة والإرادة، ثم يتابع التحليل ليبين أن كلاًّ من هذين الزوجين يتكون أيضا من زوجين حيث تتكون الإرادة من زوجي المثل الأعلى والعقل، وتتكون القدرات من زوجي الكون والعقل، ويتبين من التحليل أن أحد الزوجين مشترك بين القدرة والإرادة وهو العقل الذي هو الجزء الإنساني الذاتي في الزوجين بينما المثل الأعلى والكون كلاهما موضوعي أو خارج الذات، وقد أتى أحدهما عبر النبوات بلغة البشر، وبشكل يناسب الاعتبارات الظرفية البشرية، وأتى الآخر بلغة إلهية مباشرة هي لغة (الخلق)، وقد انتظر الإنسان وقتا طويلا، حتى تمكن من فهم الخطاب بلغة (الخلق) والتعامل معها، الأمر الذي ارتبط تاريخيا بختم النبوة، وانقطاع الصلة المباشرة معها، ليبدأ عهد جديد في التلقي عن الله هو عهد( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). ويبين في الكتاب أن ولادة العمل رهن بولادة القدرة، التي هي ثمرة اتصال العقل بالكون، والتي تنتج عن ممارسة الجهد البشري الواعي في مواجهة الكون، الذي يحكمه قانون الحق والباطل،( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ(17)،الذي يجعل المرء يعزز تقدمه بخبراته الإيجابية، وتدخل القدرة بعد ولادتها في علاقة جدل مع الإرادة الناشئة عن تلاقي المثل الأعلى الآتي من خلال النبوات بالعقل عبر عملية(البلاغ المبين) الذي يسميه الفيلسوف الألماني هابرماس (الفعل التواصلي)، والذي يدلل الكاتب في كتاب ابن آدم أنه الفعل المطلوب أو الفريضة اللازمة لبناء المجتمع المسلم، وللمحافظة عليه عندما يقوم، ولإعادة بنائه عندما يتقوض. ويتجلى الجدل في كون الإرادة تحتاج القدرة حتى تتولد، وعند تولد الإرادة فإنها تطلب المزيد من القدرات، وتساعد في تنمية القدرات واكتمالها، والقدرات الجديدة تخلق إرادات جديدة وهكذا. وينتهي به التحليل إلى أن مشكلة المسلمين، تكمن في القدرات أكثر مما تكمن في الإرادت، ولكن الجدل الوجودي بين القدرة والإرادة يفسح المجال للكثير من الشبهات، التي تعشش في عقول الكثيرين من أصحاب النظر السطحي المتسرع، ومثلما استفاض في البداية في تفصيل المصطلح، وشرْح مرادفاته وتوضيح ملابساته، تراه يستطرد في ملاحقة هذه الشبهات إلى أبعد الحدود، محاولا أن يقطع الحجج والأعذار على المحتجين والمعتذرين. وعند التحليل النهائي، وعند تحديد أنواع القدرات، يصل به التحليل إلى أن القدرات التي تنقص العالم الإسلامي هي القدرات الفهمية، وأن مشكلتهم ناشئة عن نقص نوع من العلم، الأمر الذي يتطلب منه تحديد معنى العلم، المصطلح كثير الالتباس في المجتمع الإسلامي والمجتمع العالمي. وكأني به هنا يستشرف الحاجة إلى كتاب يعيد فيه تعريف العقل والعلم، وهنا نكون قد دلفنا إلى كتابه الرابع الذي يشكل الركن الأخير في مشروعه الاصلاحي كما أتصوره. يستهل كتابه إقرأ باستقصاء إحصائي، يحاول أن يثبت فيه أن الذين يقرؤن أكثر يعطيهم الله أكثر(إقرأ وربك الأكرم)، ثم يذكر سبب عدوله عن تسمية الكتاب التي كان يضمرها، إلى العنوان الجديد (إقرأ)، لإدراكه أن القراءة وسيلة تحصيل العلم، مثلما هي طريق الإجتهاد وعدة المجتهدين، مثلما هي سبيل الاستجابة للدعوة القرآنية لتجاوز عالم الأشخاص( الآباء)، ثم يدخل في بحث تأسيسي في اكتساب العلم والمعرفة، هو بحث مراتب الوجود، فيفصّل فيه ويفرّق بين الوجود الخارجي للشيء، والصورة التي ترتسم له في الذهن عبر موجات الضوء، وما يعتور هذه الصورة من افتراق عن الحقيقة الخارجية، حيث للبصر الإنساني حدود وقيود في التقاط الموجات الضوئية، ثم يشرح المرتبة الثالثة، ويوضح كيف تتسع الشقة بين الحقيقة الخارجية ومن ثم الصورة الذهنية وبين الوجود الثالث( اللفظي) الذي هو رمز صوتي، ينتقل عبر الموجات الصوتية، والذي اخترعه البشر لتسهيل توصف الحقيقة الخارجية عند التعامل معها، وقد كان هذا الاختراع نقلة كبيرة في طريق نمو المعرفة الإنسانية، وهذا الوجود أيضا يعتوره ما يعتور الموجات الضوئية من حدود وقيود، ثم يشرح كيف يزداد هذا الافتراق وضوحا عندما نصل للمرحلة الرابعة من الوجود (الكتابي) والذي هو رمز ضوئي بصري من نوع جديد، والذي هو أيضا كان نقلة متقدمة في نمو المعرفة الإنسانية، وقد تواضع عليه البشر في مرحلة تالية أتت عقب اختراع اللفظ (علم آدم الأسماء)، وكيف أن الحقيقة عندما تحبس في هذا الرمز الضوئي مرة ثانية بعد أن انطلقت منه، تكون قد قطعت أربع مراحل من التشوه والتبدل، مبتعدة عن الحقيقة الخارجية، والذي يفهم هذه القضية يمكن أن يقدر النص قدره في التعامل معه ويدرك طبيعة علاقته بالحقيقة، إذ أن النص وكما يوضح التسلسل السابق ليس مصدر معرفة، وإنما وسيلة اخترعها البشر لتسهيل التعامل مع الحقائق الخارجية، وهو يخون الحقيقة بالقدر الذي يخدمها فيه، فلولا ولادة النصوص لما أمكن للمعرفة البشرية أن تتقدم، ولكن بالوقوف عند النصوص يستحيل إحداث أية إضافات جديدة للتراث الإنساني، فالنص الذي هو إنجاز فائق من حيث القيمة والأهمية، في رحلة المعرفة الإنسانية باعتباره أكسبها الخلد الذي لاموت بعده، إلا أنه نصب أمام الإنسان تحديا جديدا لتجاوز المعرفة الموروثة التي حفظها النص، ومن لايدرك هذا التسلسل في اكتساب المعرفة، تلتبس عنده صور الحقائق (رموزها) بأعيانها، وحتى نتحرر من التشوه المرافق لهذا التسلسل يجتهد المفكر جودت سعيد، مستنيرا بكتاب الله الذي يجعل الكون مصدرا لمعرفة الحق(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) فيضيف مرتبة جديدة، لم تكن معروفة من قبل هي الوجود السنني، والتي تضع حدا للتسلسل السابق عبر العودة مرة ثانية إلى الحقيقة الخارجية والتعامل المباشر معها، فإن كان التسخير ممكنا فلا شك أن التسلسل السابق سليم، وإن كان التسخير مستحيلا علينا أن نعيد النظر فيه، ونمتحنه في ضوء الواقع عبر التعامل المباشر مع الحقيقة الخارجية، وخلال بحث الوجود السنني يجلي حقائق مهمة يكثر الحديث عنها في كل كتبه منها : 1 – أن السنة عامة وليست خاصة. 2 – أن السنة ثابتة وإن لم تكن كذلك فلا تسمى سنة. 3 – أنها تشمل الأنفس مثلما تشمل الآفاق، بل إن السنة عبر القرآن توجه ابتداء للأنفس. 4 – أن القرآن دشن عصرا جديدا انتهت فيه الخارقة، وحل فيه الجهد البشري محل التدخل الإلهي المباشر، عبر التوصيف الذي قدمناه في شرح حتى يغيروا، وهو يشير بوضوح إلى أن المسلمين عموما لم يبلغوا هذا الأفق القرآني الذي دعاهم القرآن أن يـ (تعالَوْا) إليه، فلما سجلوا حياة الرسول، وتاريخ الرسالة كتبوا الأشياء، ووصفوها بروح العصر القديم، وليس بالروح القرآني، الذي أراد أن يدشن عهدا جديدا في تاريخ الإنسان، يعلي فيه من قيمة الجهد البشري باعتباره العامل الأساسي في كل تقدم، وهذا ما توضحه حياة الرسول (ص) من لحظة غار حراء إلى يوم ( بل الرفيق الأعلى ). ثم ينتقل من بحث مراتب الوجود إلى تعريف العلم، ويقدم لتعريف العلم مقدمات ثلاث، أولها أن لاعلاقة بين السبب والنتيجة عقلا، ويصل من هذا إلى أن مفهوم العقل والعلم بعدي أو عواقبي بلغة القرآن، أي إذا أردنا أن نحكم على ظاهرة ما بأنها علمية أو عقلية علينا أن ننظر في نتائجها وعواقبها، فإذا كانت إيجابية (ما ينفع الناس) فهي عقلية، وإذا كانت مطَّرِدة (سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) فهي علمية، لأنها تخضع للسنة وتنضبط بالقانون، وهذه المسلمة هي التي سينطلق منها إلى تعريف الدين باعتباره عقل وعلم، وذلك أن عواقبه تقوم على النفع العام الدائم كما أنها قابلة للرصد والمقايسة والتكرار، وهو يستقي ذلك من إصرار القرآن على النظر والانتظار، وإلحاحه على الاعتبار بسير الأولين، ثم يتابع بحثه ليصل إلى نتيجة مؤداها أن العلم هو المعجزة التي تحدث عنها الرسول والتي ستجعله من أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة، حيث أن كل ما يصبح علما يأخذ طريقه إلى العالمية، وينقطع حوله الجدل، وحتى يصبح هذا الدين عالميا فهو بحاجة للّغة العالمية التي يفهمها الجميع، وهي العلم، كما أنه بحاجة لآلة قياس يعترف بها الجميع في المفاضلة بين الأديان ليتحقق وعد الله( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) وهذه الآلة هي العلم أيضا. ثم يبرهن أن العقل وظيفة وليس آلة، وهو يريد من هذا أن يقول أن العقل مهارة بشرية يتعلمها الناس بالكد والمعاناة، وأن العقل الأكبر هو الذي يعرف تجارب وخبرات أكثر بحسب التعريف الذي قدمنا، ومن هنا تنشأ أهمية المعرفة الواعية لتاريخ البشر فلا يكرر الإنسان المسارات الخاطئة، ولا يسلك الطرق المسدودة، ويدفع الأثمان التي دفعها أمثاله من البشر قبله، فيلدغ من الجحر مرتين، وتنزع عنه صفة المؤمن كما في الحديث( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) كما أنه يريد أن يوضح لنا، أن اكتساب العقل عملية قابلة للتطوير والتسريع عبر التدخل البشري مثل عملية تعلم اللغة. ثم يبحث العلاقة بين السنن وعالم الأشخاص، فيقول أن العلاقة بينهما تبدأ باكرا عند بداية استكشاف الطفل عالمه الخارجي، حيث الآباء مصدر المعرفة المتاح، لكن الوقوف عند هذه الطريقة الطفولية، في تحصيل المعرفة الإنسانية، يُدخِل الإنسان في نوع من الوثنية الدينية، التي اجتهد القرآن كثيرا وجاهد في إبطالها، لأن الآباء ينقلون لنا تصوراتهم عن الحقائق، وهذه التصورات لا يشترط أن تكون صحيحة، ولا يجوز أن تكون حاجزا يحول بيننا وبين التعامل المباشر مع الحقائق الخارجية، ولا يفوته أن ينوه للجانب الإيجابي في عالم الأشخاص، حيث توفر لنا معلومات وخبرات الآباء أرضية تمكننا من الإنطلاق بعد أن نحصِّلها. ثم يتحدث عن أدلة العلم، فيوجزها في ثلاثة أدلة، إذا توفرت لقضية ما، أو لظاهرة ما، قيل إنها قضية أو ظاهرة علمية، فيذكر التنبوء، والتسخير، وهما يختصان بالآفاق وعندما يبحث الأنفس يضيف إليهما العواقب ( ما هو خير وأبقى) التي يعتبرها القرآن البرهان الأساسي على علمية ظاهرة اجتماعية، ويقول إن القرآن بإصراره على العواقب يجعل الأخلاق علما، ويجعل التاريخ مخبراً للأفكار مثلما للكيمياء والفيزياء مخبر ، ثم يتطرق لشبهة حياد العلم أخلاقيا فيبديء فيها ويعيد فيما خلاصته أن الخطأ في تعريف العلم يوصل إلى هذه النتيجة، التي مؤداها أن العلم محايد أخلاقيا! ثم ينطلق من تعريف العلم ليعرِّف الموقف العلمي، حيث يرى أن الموقف العلمي مرتبط بفهم كيف بدأ الخلق؟ فالذي يعرف تاريخ الخلق، وكيف بدأ؟ وكيف نما؟ وكيف واجه الإنسان الكون؟ وكيف تعرف عليه وأمسك سننه، وكيف أدخله في عالم المسخرات؟ يعرف أن لما يجهل من القضايا والأحداث والمشكلات سنن أيضا، وأن معرفة هذه السنن ممكنة، وأن هذه المعرفة عندما يحصّلها سوف تمكنه من السيطرة عليها وتسخيرها،( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)، أي أن ما لم نعرف سننه، يشبه ما عرفنا سننه، من حيث خضوعه للسنة وانضباطه بالقانون، وهذا كان موقف مندلييف، لما صنف العناصر في الجدول الدوري، حيث ترك أماكن لعناصر لم تكن معروفة، ومن ثم فإن من يعرف كيف بدأ الخلق، (الموقف العلمي) تغلب عليه مشاعر التفاؤل والثقة والطمأنينة، أما من يجهل التاريخ الماضي، وينظر للأشياء نظرة لحظية، دون إدراك الزيادة في الخلق، فإنه يصاب باليأس والإحباط والتشاؤم، ويتصرف بطريقة تدميرية يائسة، ويختارقطع الرؤوس بدل هدايتها. ثم يقود البحث والتحليل مفكرنا، إلى مصطلح الهوى فيضعه مقابل العلم، ويربطه بقلة العلم ويلفت النظر إلى شيوعه عند الجهلة والأطفال، ويقرر أن منشأه حب الذات، وإنه يؤدي دورا إيجابيا في حفظ الحياة، في مرحلة من مراحل االتطور، لكن الوقوف عند هذا المستوى من التطور الإنساني، يعيق الاندماج الاجتماعي للإنسان ويعرقل نموه النفسي والفكري، ويتطلع الشيخ إلى تحكيم الطرف الثالث باعتباره تجاوزا للهوى، ويدعونا للتأمل كيف ساهم الطرف الثالث (القاضي) في ضبط الهوى على المستوى المحلي، ويتطلع إلى يوم يُضبط فيه الهوى على المستوى العالمي، وهو يميز الهوى عن الشهوات، باعتباره الأول مفهوما ثقافيا بينما يعتبرالثاني مفهوما بيولوجيا، وهذا تمييز مهم وضروري، لأنه يعني أن الأهواء صناعة اجتماعية بشرية يمكن التدخل فيها وتعديلها. ثم يبحث العلم والتوحيد فيعتبر الأول أساس الثاني، وهو يفتقر في وجوده إليه، فلا توحيد من غير علم، وهذا واضح في الأمر الشرعي، وهو بنفس الوضوح في الأمر الكوني، حيث لايحدث تسخير من غير علم، ويرى أن بداية التوحيد تكون في تحرير مصدر المعرفة من الآباء، والتعامل مع الحقائق الخارجية، الأمر الذي يتطلب نوعا من الفردية، وهذا لايتم من غير معاناة واجتهاد، وكل نجاح يحققه الإنسان في طريق تفرده يبعث الأمل في نفسه ويغريه بالتقدم لقطف المزيد من النجاحات، الأمر الذي يدفع القافلة الإنسانية للأمام، لكن هذا التقدم لم يكن لينطلق من غير الرصيد الذي يؤمنه الآباء. ويؤكد مفكرنا كثيرا على أن فكرة التوحيد في معناها الجلي هي التمكن من الخروج من الآبائية، وأن هذه القدرة على الخروج من رحم الآباء هي الأرضية التي استنبتت كل الانجازات الإنسانية، وأن مما يجعل هذه العملية ممكنة الطبيعة المزدوجة للإنسان، من حيث قابليته للتشكل حسب الآباء، وقدرته على التحرر والانعتاق من ربقتهم، يدفعه إلى ذلك شوق المعرفة وحب التعلم، وعند هذه النقطة يتوافق صراع الحضارة ضد التخلف، مع صراع التوحيد ضد الوثنية، حيث الإنسان أمام ضميره، وعلى موقفه هذا يتوقف أمر دنياه وآخرته، وعند هذه النقطة يصبح التوحيد ارتقاء بالمعنى الإنساني بحيث يجعله يرفض الموقف الآلي المتحرك حسب البرمجة الاجتماعية السابقة ليتسلم زمام الفعل والمبادرة، ويرفض خيانة الحق في طاعة الآباء وأولي الأمر حيث للطاعة شرطها المعروف(أن لا تكون في معصية الله)، إنه السلوك المحرر في الدنيا المنجي في الآخرة. ثم يشرح القواسم المشتركة بين العلم والتوحيد، فيقول إن العلم شرط التوحيد ووجهه الآخر، كما أنهما يشتركا في أن مخالفتهما تجعل العقوبة حتمية، وكذلك فهما يشتركان في موقفهما من عالم الأشخاص، وفصل القول في هذا المشترك، أن كل ما يرد من عالم الأشخاص يجب أن يخضع للفحص والامتحان. ثم يصل لفصل الأجنة القرآنية، التي يستشرف من خلال الحديث عنها مجتمعا عالميا موحدا، تحكمه قيم إنسانية واحدة، وهذا التصور يصل إليه انطلاقا من كيف بدأ الخلق، فالذي يعرف تاريخ العالم، وكيف بدأ الإنسان حياته على هذا الكوكب؟ ويرصد الخطوات التي قطعها البشر، يمكن له أن يستشرف مستقبل هذا الإنسان كما يكرر المفكر كثيرا في ثنايا الكتاب، ويختم الكتاب بنوع من النقد الذاتي أجدني أكثر حاجة منه إليه ، فأنا لا أدري بعد هذ الإطلالة السريعة، إلى أي درجة قد نجحت في تقديم هذا المفكر الكبير، والفكر المتميز، بصورة صحيحة مشرقة ؟ أم أنني قد شوهته وأسأت إليه وهنا أتساءل أيضا، إلى أية درجة قد سرت في هذا الطريق فضيّعتُ الأفكار، وعمّيتُ المفاهيم، وغالطت في نقل التصورات؟ وعلى كل فلي العذر في ذلك أني عرضت أفكاره كما بدت لي أو كما فهمتها، وكتاباته منشورة يمكن لمن أدرك غير ما أدركت، وفهم غير الذي فهمت، أن يرجع للكتب فيقارن ويصحح مشكورا مأجورا. ملاحظة : أجدني لا أستطيع التكلم عن الشيخ جودت سعيد، دون الحديث عن أثرين غاية في الأهمية فيما أتصور: الأول هو كتاب الدين والقانون، والذي هو في الأصل مقال كتبه لمجلة الحقوق الأمريكية، والذي أعتبره في حدود فهمي، نموذج للدراسة التطبيقية لآيات الآفاق والأنفس، في موضوع إنساني مهم هو الدين والقانون، وأعتقد أنه يمهد الطريق، لمن يأتي بعده كي ينسج على منواله، ويسلك على طريقته، في إثبات أن لغة الكون تطابق تماما لغة الكتاب، أو أن الوحي عبر الكون يصدق الوحي عبر الكتاب، شريطة أن نتمكن من تحرير لغة الوحي عبر الكتاب من التشويه الناتج عن القصور الذي تحدثه الأداة البشرية، والتي استخدمت لاعتبارات تتعلق بالشروط الموضوعية، التي حكمت التطور الإنساني في لحظة تاريخية ما، وأننا يمكن أن نتجاوز هذه الإعاقة التي تحدثها الأداة البشرية في التعامل مع الكتاب، من خلال العودة مجددا للتعامل مع الحقائق الخارجية، عبر المنهج القرآني الذي يؤكد على النظر والاستقراء لعواقب الأحداث الماضية، وإن لم يكن في ما سبق ما يحل المشكل ويحسم الأمر، فإن ما سيأتي يحمل في طياته، مايوضح ويجلي ما هو مشكل في الوقت الحاضر، كما أن موقفنا العلمي مما سيأتي، والذي هو ثمرة لمعرفة كيف بدأ الخلق؟ يجنبنا دفع الأثمان الباهظة في زمن الانتظار، الذي تتجلى فيه العواقب، ويذهب فيه الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس. الأثر الثاني الذي أرغب بالإشارة إليه هو كتاب ( كن كابن آدم )، والذي لم يلق ما يستحق من الاهتمام، لدرجة أن تفوت بعض المقربين من الأستاذ، المعجبين بفكره وشخصه، الصلة التي تربط هذا الكتاب، بالمشروع الذي كرس جودت نفسه لخدمته، وفي عجالة أقول أن هذا الكتاب، كما أتصوره يمثل التسويغ الفلسفي لفكر جودت سعيد، باحتواءه الكثير من المنطلقات المفصلية الفكرية والعلمية والفلسفية، التي تشكل الخلفية التي انطلق منها الأستاذ، ليصل إلى ما وصل إليه في عالم الفكر، ويمكن تبين ذلك من خلال استعراض العناوين الكبرى في الكتاب، بدءا من التمهيد الذي يعرض فيه للّغة بوصفها التباسا إجباريا، وبوصفها أداة تسهل التعامل مع الحقائق، وإن تكن غير مأمونة الغوائل، وأظن أنه من الواضح أن الربط هنا يعيدنا لعلاقة النص بالواقع في مبحث مراتب الوجود في كتاب إقرأ، ثم الفصل الأول الذي يبحث فيه السلطة والمعرفة، في محاولة لرفع مستوى القارئ، ليدرك أن الفكر هو السلطة الحقيقية، وأن سلطة عالم العضلات تنتمي إلى تاريخ الإنسان، أكثر مما تنتمي إلى حاضره، وأن كل الذي يخلق لها شرعيتها في عالم اليوم طول الإلف والعادة، وعدم وعي الناس ما جدّ في تاريخ البشر من تطور في مفهوم القوة، وتبلد الناس أمام كلِّ جديد مستحدث، والتاريخ البشري الطويل، الذي درج فيه البشر على النظر للقوة، كسلطة تحل كل مشكلة، وتقطع قول كل خطيب، ثم يعرج في فصل الخوف من المعرفة إلى هواجس الذين يدركون طبيعة المعرفة المحررة، وتوجسهم من أن فجر المعرفة يوشك أن يطلع معلنا نهاية ليل سيطرتهم، وأنهم يلعبون في الوقت الضائع باستغلال جهل الجاهلين وتفوقهم المعرفي عليهم، ومصدر القلق أنهم استخدموا معرفتهم للبغي على الناس، وأنهم لا يبصرون طريقا يمكن أن يحيا فيه الناس من غير ظالم ومظلوم، من غير استكبار واستضعاف، من غير ضحايا وجلادين، من غير سادة وأراذل، ويؤرقهم أن المعرفة تقرب المسافات، وتلغي الحواجز، وتصغِّر الفروق إلا عبرها( إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، (أي أكثركم إحصاءً للعواقب بطريقة تمكنه من اتقاء الوقوع في المخالفات) وفي فصل ثالث، يشرح فكرةً مركزية، في التعامل مع القرآن الكريم، وقراءته على أساس تداخل الإلهي والبشري، في عملية التغيير عبر التاريخ، وأن الفهم الخاطيء لهذه الفكرة، يوشك أن يعطل أيّ جهد بنّاء للعمل والإنجاز، لأن الفهم الخاطيء لهذه الفكرة ينتج موقفا خاطئا، من عملية التغيير لدرجة تبطل السعي البشري، وقد عبر القرآن عن المركزية النظرية لهذه الفكرة، في فلسفة العمل الإنساني، فقال معقبا على التباس هذه القضية عند البعض ( فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا )، أي أن الذي تلتبس عليه هذه القضية، يكاد لا يفلح في فهم أية قضية بعدها، ثم يشير في فصل رابع إلى استشراف الحضارة الغربية لمخرج من النفق المسدود الذي سارت فيه، وبداية تطِّلعِ روادها من الفلاسفة إلى مخرج، يوحون على استحياء، أنه قد يكون ما جاء به الأنبياء منذ زمن بعيد، ولكنْ بعد تصفيته مما خالطه من تصورات وأوهام البشر، يلتقط لذلك إشارات حييّة عند فلاسفة مابعد الحداثة، مثل ميشيل فوكو ويورغن هابرماز، وفي الفصل الخامس يعرض فكرة مركزية في القرآن، وفي فهمه للقرآن والتاريخ والإنسان، إنها قيمة التاريخ كأستاذ صبور ومعلم لايمل أبدا للبشر، وأن اتجاه التاريخ يحكمه قانون النافع والزبد، ويفتح في الفصل السادس أعيننا، على العديد من آيات الله في الآفاق والأنفس، والتي هي بشارات عصر ( إني أعلم ما لاتعلمون)، أو النشأة الإنسانية الأخرى، كما يحب هو أن يسميها، ويضرب عليها مثل الوحدة الاوروبية، ثم يعود ليؤكد في الفصل السابع، على مذهب ابن آدم الأول، باعتباره السبيل الذي دعا إليه الأنبياء، (والحجر الذي رفضه البناؤون طويلا)، وكيف أنه أصبح الحجر الأساس واللبنة الأولى، والمخرج الوحيد الذي تسوق الناس إليه آلامهم وخبراتهم التاريخية اليومية التي يدفعون ثمنها غاليا، بعد أن أعرضوا عن هدي الأنبياء طويلا. عند هذه النقطة، أرجو المعذرة من الكاتب والقارئ والكتاب، فقد أسأت في هذا العرض المخل في إيجازه للكاتب والقارئ والكتاب، لكني أرجو أن أكون قد لفت نظر القارئ إلى بعض عناوينه الكبيرة، وصلته التاسيسية الوثيقة بالمشروع الفكري للشيخ جودت سعيد. بقي أن أذكر أن مجالس بئر عجم هي ممارسات عملية للشيخ في تفسير القرآن عبر هذه الرؤية الآفاقية، ألقيت ارتجالا ثم سجلت ونسخت من الأشرطة وهي في معظمها تنويعات في هذا السبيل القديم الجديد في التعامل مع الوحي عبر ثنائية الكون والكتاب . د. محمد العمار نمر في 17 / 12 / 2005 [1] يشترط المفكر جودت سعيد للجهاد شروط، تميزه عن الصراعات القبلية التي كانت تحدث بشكل يومي، دون أن تضيف لقضية الإنسان أي تقدم حقيقي، على خلاف الحروب التي خاضها محمد، والتي مهدت السبيل لسيادة قيم إنسانية جديدة، فيقول: يُشترط في المجاهِد أن يصل للحكم برضا الناس ، ويشترط فيمن يُخاض الجهاد ضده أن يمارس أحد أمرين : الاكراه في الدين والرأي، أو إخراج الناس من ديارهم لاختلافهم في العقائد والأديان أو الأعرق والأجناس.

ليست هناك تعليقات: