السبت، 2 أغسطس 2008

اللاعنف إسلاميا؟

نتساءل بداية: هل اللاعنف والإسلام بحث ممكن؟ إن ما هو سائد وراسخ في الثقافة السائدة عربيا وعالميا، يستبعد معقولية بحث كهذا مثلما نستهجن ونستبعد تدوير المربعّات! إن مجرد بحث اللاعنف يعتبر بالنسبة للثقافة السائدة نوعا من هذا التدوير، فكيف إذا كنا نتحدث عن اللاعنف إسلاميا؟ إننا في هذه الحالة كمن يدوِّر المربّع مرتين، ومن ثم فإن هذا البحث يعني في أحسن الأحوال صعوبة مضاعفة، ومعاناة مزدوجة، هذا إذا سلّمنا بأنه ممكن! كان الفيلسوف الفرنسي إدغار موران قد تحدث في كتابه مقدمات للخروج من القرن الحادي والعشرين عن صعوبة "القول" في مواجهة الكلمات السائدة، ذلك أن للكلمات السائدة ثقلها وهيبتها ومشروعيتها التي أكسبها إياها القبول الاجتماعي والتسليم العام، حتى أًصبح كلُّ حديث ضدها أو في مواجهتها ضرباً من الجنون، وقد سجّل القرآن أن الأقوام كانوا يواجهون كل نبي باتهامه بالجنون أو السحر، حتى أخذت هذه التهمة في السياق التاريخي شكل إجماع بين الأقوام ضد الأنبياء، بحيث لم يأت نبي إلا و وُجّهت له هذه التهمة، والقرآن يسجل ذلك فيقول(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات : 52].[1] (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات : 53]. إذاً أنا أبحثُ هذا الموضوع، وأنا أعي هذه الصعوبة المُقعِدة، لكنّ إيماني بالإنسان وفهمي للقرآن ومعرفتي بالتاريخ الإنساني تمنعني من القعود، وتجعلني على يقين أن هذا البحث ممكن رغم كل المعوّقات ورغم الكلمات السائدة، ولتسهيل البحث دعونا نحدد ما نقصده عندما نقول لاعنف وعندما نقول إسلام : إن اللاعنف كما أفهمه: هو استبعاد العنف بكل أشكاله كأسلوب في حل المشكلات الإنسانية، إذ أن خبرتنا التاريخية تثبت أن الكون خاضع ومسخر، وبالتالي فإن كل ما فيه من مشكلات قابل للحل، ممكن التسخير، إنما تنشأ المشكلات وتتعقد الأمور بسبب نقص المعرفة، فكلما تقدمت المعرفة اتسعت دائرة المسخَّرات، كما أن الخبرة الإنسانية التاريخية مع العنف تثبت أن العنف لم يكن أبداً وسيلة ناجعة لحل المشكلات وفضِّ النزاعات، بل إنه وكما تثبت المعرفة التاريخية يُفاقِم المشكلات بدل تسويتها[2]. والإسلام كما نفهمه من القرآن : هو رؤية للوجود تتأسس على معرفة بالكون والكتاب (القرآن)، وتؤسس لأسلوب في الحياة ينضبط بمقتضيات هذه المعرفة، ويخضعُ لاشتراطاتها. إن هاتين المقدمتين تُبيِّنان أننا نستطيع القول بكل طمأنينة، أن هذا البحث ممكن أولاً، وهو ضروري ثانياً، ممكن من خلال ما تقدم وضروري باعتبار الظروف التاريخية الرّاهنة والحاجة الإنسانية المُـلحّة، ذلك أن اللاعنف هو المخرج الإجباري من بحر الدّماء الذي تغوصُ فيه البشرية، كما أنه الاستراتيجية الوحيدة الممكنة للدّين كما عرّفناه، فالدّين هو معرفة ورؤية وتصوّر، والعنف لا يكون أبداً سبيلا للعلم والمعرفة، ولا تقنيةً تساهمُ في بناء تصوّر، وتشكيلِ رؤية، وهو غير قادرٍ على التّـأثير أو الفعل في الدّماغ الإنساني الذي يمكن أن نقول أنه عالَـم مختلف له قوانينه الخاصة المفارِقة، إنه نوعٌ من (soft power) التي تحكمُ عالَمها قوانينٌ لاتتأثرُ بما يمكن أن نسمّيه (hard power) والتي عمادها العنف ، بل يمكننا القول بكل الطمأنينة التي تستند إلى فهم الكتاب ووعي التاريخ ومعرفة الإنسان أن عالَمَ الدّين لا يمكن الدخول إليه إلا بعد استبعاد العنف كأسلوب عمل وفلسفةِ تغيير، وكلُّ فلسفةِ عملٍ تعتمدُ العنفَ وسيلةَ تغيير تستطيع أن ترفع ما تشاء من الشّعارات، وتدّعي ما تشاء من الادعاءات، لكنّها لن تكون صادقة أو دقيقة إذا ما رفعت شعار الدّين، أو على الأقل فإننا أمام حالةِ تسخير واعيةٍ أوغير واعيةٍ للمبدأ الدّيني لخدمة أغراضٍ غير دينيّـة، أو أغراض مُلتبِسة بالدين في أحسن الأحوال. لكنّ طول أُلفةِ البشر بالعنف، وصحبته لهم عبر تاريخهم الطويل، توحي بأنّ العنف صاحب لا مجال لفراقه، أو لازمةٌ لا يمكن الاستغناء عنها، بل كثيراً ما نسمعُ أن العنفَ فِطرة، ويقصد القائلونَ بهذا أن العنف لازمة من لوازم الوجودِ الإنساني، بحيث أنّ هذه الحياة غير ممكنة بدونه، فما هي حقيقة مثل هذا القول؟ و هل العنف الإنساني هو فطرة لا محيد عنها ولا بديل لها؟ أم هو خيار يمكن العدول عنه؟ هل العنف قدرٌ إنسانيّ، أم خيارٌ اجتماعي؟ نعلم اليوم من خلال علم نفس نموِّ الكائنِ الإنسانيّ أن الناس يولدون جميعاً مثلَ بعضهم، وأنّ تشكيل الجزء المهمّ من الإنسان ( صناعة شخصيته) أو بحسب المصطلحات التقليديّة (صناعة روحه) هي عمل يحدثُ بعدَ الولادة، ويكون أسير البيئة الثقافية والتربية أكثر مما هو مرتبط بالبيولوجيا، إنّ أهم الفروق الفرديّة بين البشر هي وليدة البيئة وملابساتِ النشأة، وهذا المعنى يسجله الكتاب الكريم، عندما يخبرنا أن الإنسان يبدأ بالتكوّن كـذاتٍ عاقلة بعد الولادة، وأنّ الجنينَ يخرجُ إلى العالم مزوداً فقط بأدوات اكتساب المعرفة، (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل : 78] وعبر تماسّه بالمحيط الثقافيّ الاجتماعيّ والماديّ، يبدأ الفرد ببناء عالمه الخاص الذي يحددّ خياراته الثقافيّة، والتي تنتنج خياراته السلوكيّة، وفي ضوء هذا يمكن القول أنّ الحديثَ عن فطريّةِ العنف، لا يعدو أن يكونَ ثمرة فهمٍ "ستاتيكيّ " للتاريخ الإنسانيّ، يعتبرُ الحياةَ المثاليّةَ هي الحياةَ البدائيّةَ البكرَ كما عاشها الإنسانُ الأوّل، واستناداً إلى هذا الأسلوب من الفهم يمكن النّظر للأميّة كفطرة !! لأنها صاحبتِ الإنسان منذ نشأتهِ الأولى، كما يمكن النظرُ لكلِّ السلوكات التي يمارسها إنسانُ اليوم باعتبارها خروجاً على الفطرة مقارنةً بسلوك الإنسان في المجتمعات البدائيّة، بما فيها ما يتعلق بالنظافة الشخصيّة والتخلصِ من المخلفات الإنسانيّة، ...............إلخ . إن كون الإنسانِ عاشَ مع العنف ردحاً طويلاً من الدهر، لا يجوز أن نستنتج منه أن العنف من لوازم الوجود الإنسانيّ، بل يجب النظرُ إليه كما هو في حقيقته باعتباره عائقاً أمام التّـقدمِ الإنسانيّ، تماماً مثلما ننظر للأميّة اليوم باعتبارها عائقاً أمام التقدمِ الإنسانيّ وليس ضرورة للوجود الإنساني. ويمكن تلخيصُ موقفِ القرآن من العنف واللاعنف كالآتي: اللاعنف هو توأمُ العنف، وقد ولدا معا منذ ولد الاجتماع البشري، كنتيجة لفشل إدارة الاختلاف بين البشر، وإن انتصار اللاعنف على العنف هو رهان التاريخ الإنساني بحسب القرآن الكريم، ويمكن التدليل على هذه الرؤية من خلال حَدَثَين اثنين يذكرهما القرآن الكريم : الحدثُ الأول هو الحدثُ التأسيسيّ لمشروع خلق الإنسان بحسب القرآن، يوم كانَ خلقُ الإنسان مشروعاً قيد التأسيس، فكان الاعتراض من قِبلِ الملائكة، باعتباره مخلوقاً مولعاً بالفساد غارقاً في الدماء، لكن جواب الحقِّ سبحانهُ وتعالى كان رهاناً على هذا الإنسان ومستقبله وإمكانياته، وإنّ هذه الحادثةَ لترسمُ عبر التاريخِ الإنساني بانوراما العنف، بل بانوراما علاقةِ الإنسان بالعنف، فهي في الوقت الذي لا تنفي فيه تورُّط الإنسان عبر تاريخه بالعنف وسفكِ الدماء، تراهن على مستقبلٍ مختلفٍ وتطوّرٍ مغايرٍ يكفُّ فيه الإنسان عن الفسادِ ويتوقف عن سفك الدماء، ويتحوّلُ إلى مخلوقٍ آخرَ فتباركَ الله أحسنُ الخالقين، فعندما يقول الحقُّ سبحانه و تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) فإنه يرسم الاتجاه العام لتطور النوع الإنسانيّ عبر التاريخ، صحيحٌ أنّ البداية الإنسانية كانت في الفساد وسفك الدماء لكنّ آفاقَ التطوُّرِ ستكون إلى آفاقٍ أعلى، وطرقٍ أرشدَ في إدارةِ الاختلاف ومواجهةِ المشكلات، وفضِّ النزاعات، فالملحمة الإنسانية خروج من العنف إلى اللاعنف، وانتصار عالم العقل على عالم العضل. الحدثُ الثاني الذي يحكُمُ رؤيةَ القرآنِ للعنفِ واللاعنف هو حدثٌ مبكِّرٌ في تاريخ البشر يَقصُّه علينا البيانُ القرآني في سورة المائدة، تُلخِّصُه قصةُ صراعٍ بين إنسانَين حقيقيّين أو رمزيّين! يلخِّصُ من خلالهما القرآن قصَّةَ فشلِ النَّوع الإنسانيّ في إدارة قضيّة الاختلاف، فيحدث النزاعُ الذي يتمخض عنه مصرعِ أحد الفريقين الذي يخر مضرّجاً بدمائه، وسطَ ذهول الثاني وسقوطِه أسيرَ سوءِ فعله، والعواقبُ التي تكشَّفت عن مصرعِ أخيه، وتجلَّت بغياب المنافس الذي كان أداةَ النُّمو ومحرِّك التَّطوُّر، وحافز الجِدِّ والحركةِ في الحياة الاجتماعية، وما أعقبَ هذا وعي بالجريمة وإدار للخسارةِ ، وما تلا ذلك من مشاعرِ النّدمِ والإحساس بالذنب، والألم الناتج عن عظيمِ الجرم الذي اقترفَه، فقد قامَ بعملٍ لا يمكن تعويضهُ ولا يمكنُ العودةُ فيه أو التراجعُ عنه، والقرآن إذ يسجِّلُ هذا الحدث لا يترددُّ في تزكيةِ ابن آدمَ الذي برهنَ على نموُّه الروحيّ والأخلاقيّ فانتقل في خياراته الأخلاقية والسلوكية من عالم الحيوان-عالمِ الخيارِ الوحيد في حسمِ المشكلات وحلِّ المعضلات- إلى عالم الإنسان، حيث الخيارات العديدة متاحة ممكنة، وفي نفس الوقت فقد أدان ابن آدمَ الذي مارسَ القتلَ دون ووقع في الجرم، ويمكن القولُ أنّ هذا يشكّل الموقفَ النّهائيّ للقرآن من العنف واللاعنف كأسلوب في مواجهة المشكلات النّاشئة عن الاختلاف الإنسانيّ، دون أن نُسقِط اشتراطاتِ التاريخ ونحذِفَ ضروراتهِ التي ليسَ بوسعِ فردٍ أو مجتمع أو دولةٍ تجاوُزُها والقفزُ فوقَها. ويمكن تعزيزُ هذا الفهم لموقفِ القرآن في قضيّة العنف واللاعنف من خلالِ أمرَين : الأوّل : هو بحثُ أسسِ الاجتماع الإنسانيّ بحسب ما نفهمُ من القرآن: وهي تُدَلِّـل بشكلٍ لا غموضَ فيه، أن العنف لا يكوّن أبداً ضرورةً، لا يمكن التخلي عنها، ولازمة لا يستقيم الوجود الإنساني إلا بها، بل يظهر بكلّ وضوحٍ أن الاجتماعَ الإنسانيّ لا يحقِّق توازُنَهُ النِّهائيّ إلا باستبعاد العنف كرافعةٍ وأداةِ توازن كما حدث خلال التَّاريخ الإنسانيّ، حيث لم تكن الشّروطُ الموضوعيّةُ تسمحُ باستبعادِ العنفِ خاصةً على مستوى الدولة، ويمكن من خلال هذا المنظورِ أن نتطلَّع إلى كلِّ العنفِ الذي رافقَ نشوءَ الدولةِ الإسلامية، دون أن يكون هذا الأمر منطبقاً على العنف الذي مارسته الإمبراطورية العربيَّةُ بعد الراشِدين، ذلك أنّ القرائن التي رافقت عنف الدولة الأولى تشير أنه حدثَ بحكمِ الضّرورة التاريخيّة[3] وكأحد متطلَّباتِ الدّولةِ وليسَ مقتضيات الدّين، وفيما أتصورُ فإن كميّةَ هذا العنف في القرن السابع يمكن تصوُّرها أو تبريرها إذا عرفنا أن الدّولة حتى يومنا هذا لم تتحرّر من الحاجةِ للعنف. أُسُسُ الاجتماعِ الإنسانيّ بحسب القرآن : 1. العدل إن العدل بحسب القرآن هو القيمة الأولى في حياة البشر، وهو الغاية الأساس من إرسال الرّسل[4] ، وهذه القيمة بحسب القرآن قيمةٌ إنسانيةٌ فوقُ طائفيّة وفوقُ دينيّة[5] وفوقُ عرقيّة بل فوقُ أي اختلافٍ بين البشر، ولذلك في التعامل مع المختلف فإن مجرد الاختلاف لا يُفقِدُ المختلفَ حقّه في هذه القيمة (العدل)، يقول تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة : 8])، فأساسُ العلاقةِ مع المختلف هي البرُّ والقِسطُ وليس العدوان والقتال، وإنما القتال مبرّره حالةُ الحرب وليس اختلاف الرّأي والمعتقد، وفي حالة السلم لا نسألُ عن إيمان المرء ودينه بل له منّا البرّ والقسط من غير أن نسألَ عن اعتقاده أو نُفتِّشَ عن ضميره. 2. مركزيةُ الضّمير إن الضّمير الإنسانيّ بحسب القرآن حرٌ لا سلطانَ عليه ولا قوامة فوقه، ولا وساطةَ بينهُ وبين الحقيقةِ المطلقة، وليس من حقِّ بشرٍ سواء كان شخصاً أو هيئةً أو مؤسسةً امتحانُ الضمير أو تفتيشُه، إذ أنّ علاقَته بالحقيقةِ المطلقةِ ملكُه وحدَهُ، وهو وحدُهُ صاحبُ الحقِّ فيها، وهي لا تخضعُ لأيّة رقابةٍ ولا تدِينُ لأيّ قالب، وليست أسيرةً لأي تقليد، وصاحبُ الحقّ في تفتيشها هو اللهُ وحدَه وزمن التفتيش في الآخرة، وليسَ في الدّنيا، والسببُ أنّ تفتيشَ الضّمير يتطلّب معرفةً مطلقة وهذه المعرفة المطلقة ليست متاحة لبشر، إنماهي لخالق البشر، كما أن الدنيا دارُ عملٍ وليست دارَ جزاء، يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج : 17]). أي أنّ تفتيشَ الضّميرِ مسألةٌ أخرويّةٌ إلهية. 3. الاختلاف ضرورة وجودية إن تقدُّم الحياة واستمرارها يقتضي وجودَ تباياناتٍ واختلافاتٍ بين البشر، وهذه الاختلافات نتيجةٌ مباشرة لتصميم الدّماغ الإنسانيّ والكيفية التي يتصل بها مع العالم الخارجيّ، ومن ثمَّ فهي ليست عيباً في الوجود الإنساني، ولا فلتةً عارضةً في الصّنعة، بل هي غايةٌ مقصودةٌ لاتستمرُ الحياة ولا تستقيم إلا بها، فحالة الاختلاف والتباينِ هذه هي التي تجعل التقدمَ ممكناً والنموَّ المطرد في الحدود الإنسانية. إن أي محاولة لإلغاء الاختلاف هي محاولة لإلغاء الإنسان وإبطال معناه، فالإنسان لايمكن أن يكون إنسانا إلا إذا كان مختلفا، ولا ينطلق ركب التقدم الإنساني ولا تدور عجلة الحياة إلا بالاختلاف، والتاريخ يُعلّمنا أن كلَّ المجتمعات التي حاولت إلغاء الاختلاف، وحاولت فرض اللون الواحد على شعبها صارت مجتمعاتٍ معاقة ولم تتمكن من المنافسة، فخرجت من سباق التاريخ ومهرجان الحضارة الإنسانية، وليس آخرُ هذه المحاولات ما حدث بعد الثورة الروسية عام 1917 والتي بَدَت حدثاً إنسانياً واعداً، لكنّ إصرارَ قادتِها على اللونِ الواحد حَرَمَها إمكانيةَ الحركةِ والنّموِّ، وحكم عليها بالموتِ والفناء، وإن كان مايزالُ لها بعض الكاريكاتيرات المشوّهة في العالم، وهي بدورها تبدو بكلِّ وضوح كنماذجَ في الحكم عاجزةً معاقة غير قادرةٍ على التقدم، ولن تتمكنَ من الحياةِ إلا إذا كسرت قيدَ (الواحديّةِ) الذي يشلُّ حركتها، ويعيقُ تقدمها، ولذلك فإن القرآن عندما يتحدثُ عن الاختلاف يعتبرهُ من لوازمِ الوجود وضرورات الحياة في نفسِ الوقت الذي يُدينُ فيه النزاع[6]، الذي هو فشلٌ في إدارة الاختلاف وشذوذٌ مُعيبٌ في التّعاملِ مع المختلف (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود : 118]) . 4. الحقيقةُ لا تُمتلك ولا تُحتكر إن من الحقائقِ الكبرى التي يؤكّدها القرآن أن الحقيقةَ وطريقها لا يمكنُ أن يحتكرها شعبٌ، ولا أن يستولي عليها تقليد، إن معرفة الإنسان والتاريخ والإله تدمغ كل محاولة لاحتكار الحقيقة والاستخواذ عليها والحصول على ما يشبه صكّ الملكية لها، باعتبارها دليلاً على اغتراب مدّعيها عن روحِ العلم وروحِ الكتاب، بل هي دليلُ جهلٍ بالإنسان والتاريخ والقرآن. يقول تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة : 113]). 5. لا حياةَ إلا بالتَّعدُّد إن المجتمع الإنساني الذي يتحدّث عنه القرآن ويتطلع لبنائه هو مجتمعٌ متعددُ الألوان، يتنافس فيه المختلفون، في عمل الصّالح واستباق الخير، وليس أبداً مجتمع اللون الواحد كما هو شائعٌ في الثقافة العامة المتداولة، وكما تبرهن ممارسات الكثيرين من المنتسبين إليه، فالسّياق القرآنيُّ عندما يتحدَّثُ عن مجتمعه، يصف مجتمعاً عمادُه التّعدُّد في الرّأي، والاختلاف في المعتقَد، والتباينُ في المرجعيّة، يعيش حالةً من التّنافس في الخير مما يجعلُ جميع الطاقات توَظَّفُ في خدمة المجموع الإنساني، ورغم أن القرآن يعطي لنفسه قيمةً مرجعيّةً متميزةً يسميها حالة (مهيمناً)، لكن هذه الحالة ليست امتيازا كما أنها لا تقوم أبداً على الإقصاء أو الإلغاء، بل تكفل للمختلفين حقّ الحياةِ والسّعي فيها، والنشاط لخدمة معتقَدِهم ومبادئهم لا يضارون في ذلك، ويترك للتاريخ الحكم على عقائدهم، والتحدي الذي يطرحه القرآن هو أنّ التاريخ من خلال حكمه سيُوَطّد مفهومَ الهيمنةِ الذي يدَّعيه لنفسهِ وسيحوِّله إلى حقيقةٍ موضوعيةٍ، فالهيمنةُ ليست امتيازاً حصرياً، وليست ادعاءاً محضاً، إنما هي ادعاءٌ تشهدُ له آيات الآفاقِ والأنفس وتثبت صدقيَّتَه وجدارتَه، كما أنه لا ينتجُ حالة طغيانٍ أوإحساساً بالتفوُّقِ يقود للبغي، إنما هو دعوةٌ لاستباقِ الخيرات، والتنافسِ فيما ينفعُ الناس، والله هو الحاكم بين البشر يومَ الدين، ولذلك يفتح القرآن الفرصةَ أما جميع المذاهب والأديان للسباق في امتحان التاريخ الذي لا يُحابِي أحداً، يقول تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة : 48]). 6. تحييدُ العنف في الحقل الديني إن الدّين أو العقيدة هو رؤيةٌ وتصورٌ قبلَ أن يصبح سلوكاً وحياة، وهو عمل على مستوى العقل والدماغ، قبل أن يتحوّل إلى الحياة المُعاشةِ الواقعةِ، ومن ثمَّ فإنّ المَدخلَ إلى أيّ دينٍ يجب أن يكون عملاً فكرياً يتوسطُهُ النشاط العقلي، وتُحَيَّدُ فيه القوَّة العارية، إذ إنها عاجزةٌ عن إحداثِ أيّ تقدُّم في خدمة الدّين والقضية الدّينيَّة، فلا مجال للقوّة في الدين لأنها لا سلطانَ لها على محل التّصوُّرات وموضع التَّغيير وهو الدّماغ، ولذلك فإن القرآن إذ يصرُّ على فتح السمع والبصرلإنجاز تصوُّرٍ دينيٍّ، فإنه في نفس الوقت يقطعُ مع القوةِ في موضوعِ الدّينِ فيقرِّرُ أنّ الإكراه وأداته الأولى وهي القوة، لا محل لها في الدين، وهي لا تصنعُ كفراً ولا إيماناً ولذلك فهيَ مستبعدةٌ كلياً يقول تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 256]) ثانيا : العنفُ من خلال آيات الآفاق والأنفس إن آيات الآفاق والأنفس هي مرجعُ القرآن ودليلُه[7]، ومناطُ أحكامه وعلَّةُ تشريعاته[8]، ولذلك فإن شهادتها في موضوع العنف، هي قولُ القرآن وحكمه، ويمكن أن نرصدَ آيات الآفاق والأنفس في ثلاثةِ حقول . 1 - شهادُة البيولوجيا: * القطيعةُ التطوُّرية : إن معرفتنا بعلم البيولوجيا تدلُّ على أنّ الإنسان ثمرةٌ تطوريَّةٌ متأخِّرة، وأن هذا التطورَ تجلَّى بحدوثِ قطيعة على مستوى البيولوجيا بين الرئيسيات العليا والهوموسابينز وهو الجدُّ الأعلى للإنسان، حيث عند هذا المستوى من التطور حدث تغيُّر نوعيّ، لقد وُلِدَ الدّماغُ الحديث الذي يحتوي المادةَ الرماديَّة التي أصبح من خلالها الإنسان خلقاً آخر، قادراً على اقتناصِ موجات الصَّوت وترميزها فأنتجَ بذلك اللغة، ثم تعلم اقتناصَ الموجة الضوئيَّة وترميزها فأنتجَ بذلك الكتابة، ومن خلال هاتين الأداتين أصبح للإنسان دورٌ فاعلٌ في صناعة عالَمه وتطويرِ ذاتِه، حتى أنّ أحدَهم كتبَ: (إن معرفتنا بتاريخ الإنسان تبرهن على أنّ الإنسان صناعة إنسانية إلى حد بعيد)[9]، وبهذا دخل الإنسان عالم الإنسان الحديث، إنسان المادة الرمادية، وكان عليه مثلما قطع مع مملكة الحيوان على مستوى البيولوجيا، أن يقطع معها على مستوى السيكولوجيا والسيسيولوجيا، فيغادرَ سلوكياً عالم الحيوان فقيرَ الخيارات، حيث أنّ الفعلَ الوحيدَ المتاحَ هو الفعلُ العضليُّ، إلى عالمٍ تتكاثرُ فيه الخياراتُ بحيث يسيرُ الفعلُ العضلي مع التطوُّر التاريخيّ إلى الضُّمورِ، لكنّ معرفتنا بالتاريخ التطوري للإنسان، وإدراكنا صعوبةَ وعي الإنسان لذاته، وكيفيةِ حدوث ذلك في وقتٍ متأخِّرٍ، تعطينا القدرةَ على تفهُّم استمرار العنف كموروثٍ اجتماعيٍّ من المملكةِ الدنيا لدى الإنسان حتى هذا الوقت المتأخِّر، وإن كان هذا الموروث الاجتاعي يميل إلى التلاشي والاضمحلال بتقدم التاريخ. * العلاقة بالحقيقة: الأمر الآخر المهم في موضوع العنف والذي قلنا أنه ناتج سوءِ إدارةِ الاختلاف في وسط اجتماعي ما، هو ما كُشِفَ عنه حديثاً في المائة عامٍ الأخيرةِ، من آليات يقوم من خلاها الدماغُ الإنسانيُّ بالاتصال مع الوجود الخارجيّ، وما تبين من محدوديةِ هذه القدرة على الاتصال، وما يُصاحِبُهُ من عوائقَ وصعوبات، تجعل هذه العلاقة محدودةً وجزئيّةً، من ثمّ فهي قاصرةٌ وعرضةٌ لتشوهاتٍ لا نهائيّة، وبالتالي فإنّها تجعلُ علاقة الإنسانِ بالحقيقةِ نسبيّة ومحدودة، لقد تبيّن لنا بكلِّ الوضوح أن الحقيقةَ لا تُمتلك إنّما يتمُّ الاقتراب منها، وأن كلّ مقتربٍ تتجلّى له بطريقةٍ مختلفة، ومن ثم فهو يملك صورةً جزئيةً عن اللوحة الكاملة، وبالتالي فإن وجود الآخر ضرورة حياتية للنوع الإنساني وللحقيقية ذاتها، وبالتالي فإن وضوح الأسباب الأكثر عمقا للاختلاف، تجعلنا أكثر قدرة على تفهم معناه، و ملازمته للوجود الإنسانيّ، وأنه لا سبيل لتجاوزه عبر القوة والعنف، إذ أنه ثمرةٌ طبيعيةٌ لتكوين الدّماغ الإنسانيّ، وبالتالي فلابدَّ من التعايش معه واستثماره بدل محاولة التخلص منه بطرق أثبت التاريخ الإنساني عقمها وعدم جدواها. 2 - درسُ التاريخ نعلم الآن من تاريخ علم الأحياء أن الإنسان كان الناتجَ النهائيَّ في عملية تطورية معقدة، ومن ثم فهو سليلُ مملكةِ الحيوان، حيث قانونُ العضل ولغته هما القانونُ النافذُ واللغةُ السائدة، وقد أخذ الإنسان وقتاً طويلاً في الابتعاد عن الخيارات السلوكيّة لعالم الحيوان، ذلك أن حياة الإنسان البدائيّ كانت تفرِضُ عليه العنف كضرورةٍ حياتيّةٍ، فهو يحتاجهُ في الصَّيدِ وفي الدفاع عن نفسه ضد الحيوانات المفترسة وأمثالِه من البشر، وبقي الأمر هكذا حتى وُلدَت دولةُ المدينة كضرورة لحماية الزراعة و المدينة، ومعها ولدت المؤسسةُ العسكريّةُ أي وُلدَ العنف المنظَّمُ المحتَكَرُ، الذي تمارسُه ثُلَّةٌ من الناس بدعمِ المجتمع وتفويضه وتمويله، لكن الذي حدث أن هذه المؤسسة التي أوجدت لحماية المدينة استولت عليها وجعلت المدينة وكل مواردها في خدمة مشاريعها الخاصة، وهكذا يمكن النظر للتاريخ الإنساني باعتباره مسرح صراع المصالح العسكرية بين دول المدن ثم بين الدول الامبراطورية، ولقد تمخض هذا التاريخ عن الكثير من الآلام والفادح من الأثمان، واستمر هذا الصراع حتى حدث أول انفجار نووي، عندها أدرك المستكبرون أن القوة بلغت طريقاً مسدوداً، وأن معركة مفتوحة لم تعد ممكنة بين الكبار، كما أن المعارك المحدودة يمكن أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة، ولذلك لم ولن تحدث أي مواجهة مباشرة بين الكبار[10] ، وبقيت الحرب بين الدراويش إما سوقا لتصريف السلاح أو حربا بالوكالة عن الدول الكبرى التي تضنُّ بأبنائها ومواردها، وترتاح لوجود وكيلٍ يقومُ بأعمال الحرب عنها، وفي نفس الوقت كان هناك سياق آخر من سياقات التطور البشري، حيث تَنَبَّهَ الناس إلى المظالم التي تحكُمُ العلاقات القائمةَ بين النّاسِ حتى ضمن الدولةِ الواحدة، وعندها دخلتِ البشرية دورةً جديدةً من العنف الأهلي الذي سُمِّي ثورات، في محاولة لتتغيرِ المظالم المقيمة، وكانت النتيجة أثمانا أكثر فداحة وعنفا أكثر دموية وإيلاما، دون أن يحدث تغييرٌ حقيقيٌّ في معادلة الظلم (علاقةِ الظالمِ بالمظلوم)، لقد كانت الثورات الكبرى تبدو واعدة عندما تبدأ لينتهي بها المطاف بتغيير الظَلَمَةِ وإبقاء الظُّلم، حدثت الأحداث الكبرى المدوِّية في انكلترا وفرنسا وروسيا والصين وفي غيرِ مكانٍ من العالم، ليكتشفَ الناسُ بعد لأي أن الثوراتِ لم تكن أبدا أداةَ تغييرٍ حقيقيٍّ، وعندها بدأت المجتمعاتُ في تنظيمِ العنفُ الداخليّ ووضعِ قواعدَ لتداولِ السُّلطة وتقاسمِ الثروة على المستوى المحلي، لكنّ الحالةَ بين الدولِ بقيت تحكمها القواعدُ القديمة، أي العنفُ والقوةُ حتى حدث أو تفجير نووي فكانت النقلة التي وصفنا سابقا، ثم كان 11 إيلول وما تلاه من حرب في أفغانستان والعراق تجلى بفشلٍ مُطلَقٍ للقوِّة اتقليدية لقد كانت القوّة النوويةُ غيرَ ممكنةِ الاستخدام بسبب ضخامةِ فعلهاالتدميريّ الذي يتناقضُ مع الوجود الإنسانيّ على الأرض، أمّا السلاحُ التقليديُّ فقد أظهرَ عجزاً عن حلِّ المشكلات وحسم النزاعات بما يَرسُمُ علامةَ استفهامٍ كُبرى حولَه، ويجعلنا نقولُ بكلِّ الثقةِ وظهرُنا إلى يستند إلى التاريخ أن القوَّة بلغت مأزِقَهَا النهائيّ وأن العنفَ بلغ طريقاً مسدوداً وأنّ المؤسسةَ العسكرية تلفظُ أنفاسها الأخيرة وأنها توشكُ أن توَدِّعَ مسرحَ التاريخ، وأن أشراطَ هذه المغادرةِ قد أخذتْ تنسَلُّ وتترى في الكثير من القرارات التي يتخذُها قادةُ الدول، ومظاهرِ الملل والتّمردِ التي تظهرُ في أعتى الجيوش بشكل يهدِّدُ جاهزيَّتها وقدرتَها التي ثبتتْ محدوديتُها في الحروب الأخيرة. ويمكننا القول أن الللاعنفَ كان قبل عام 1945 خياراً لكنه أصبح بعدها ضرورة، هذا فيما يخص العلاقة بين الدول العظمى، ولكن بعد 11 أيلول فإن كل السلاح يجب أن ويضع تحت المسائلة وأظنه قد وضع لكن عند سدنته وكهنته، لقد كشفت الحروب الأخيرة أن العنف عبث وتبديد للموارد الإنسانية وإفساد للبيئة والطبيعة غاية في السفه، ومن ثم فإن اللاعنف أصبح ضرورةً ملحة، لقد أظهر السِّلاحُ التقليديّ عجزَهُ ومحدوديةَ قيمتهِ في مواجهةِ المشكلات، مثلما كشف السلاح النووي عن استحالةِ استخدامه قبل خمسينَ عاماً، ولذلك فإن علينا أن نتحلى بالشجاعة الأخلاقيّة التي تجعلُنا نسدِلُ السِّتارَ على ملحمةِ القوَّة والعنف وبصورةٍ نهائيّة، وننتقلُ من صناعةِ القتلِ والموتِ والدَّمار، إلى صناعة الحياة والسِّلْمِ والبناء. 3 – درسُ الاجتماع البشري : إن الخبرة الانثروبولوجية تبين لنا بوضوح أن الاجتماع الإنساني محلُّ تطوُّرٍ مُطَّرِدٍ، وأنّ هذا الكونَ مثلما هو يتمدد باستمرارٍ وينمو في المكان، فإنّ كُلَّ آهليهِ من أحياء وبنى تنمو وتتمدّدُ وتتسع، ويتجلى هذا الاتساعُ أكثر ما يتجلّى في حركة الإنسان، سواءً الإنسانَ الفرد أو الإنسانَ (المجتمع)، وقد كان هذا النموُّ و الاتساع يتم لفترة طويلة بصورةٍ آليةٍ منفعلةٍ أو على الأقل فإن الدور الإنساني فيه لم يكن بالوضوحِ الذي يجعلْنا نلمسْه أو نرصدْه، لكنّ هذا التغيير اليوم أصبح بالدرجة الأولى تغييراً فاعلا يتضح فيه الدورُ الإنساني، سواءً في التغيُّرات التي تتم على مستوى الكوكب، أو في التغيُّرات التي تتم على مستوى المجتمع، أو في التغييرات التي تتم على مستوى الإنسان الفرد، لقد عرف الإنسان سُنَّن التغيير وقوانينه، وأدرك أنه يستطيع أن يتدخل ويُسَخِّرَ هذه السُّنَّة فيُبطِّيء عمليةَ التغيير أو يسرّعها، أو يعدل ويغير وجهتها، لقد بدأ الإنسان يدرِكُ محلَّ الفعلِ الإنساني، في الحدثِ النفسيّ الداخليّ والحدثِ الكوكبيّ الخارجيّ، والحدث الاجتماعيّ أيضاً، وهو يعرفُ أنّ السلوك الإنساني يخضعُ لقوانين لا تقل صرامةً وانضباطاً عن القوانين الفيزيائية، ويعرفُ أن السلوكَ الإنسانيّ هو ثمرةُ المعارف والخبرات، وأنهُ لتغييرِ السلوك الإنسانيّ يكفي أن نغيِّر المعارفَ والخبرات، وهذا في الغالب كافٍ لتبديل السلوك أو تعديله، وأن القوة لا تكونُ أبداً سبباً أو سبيلاً لتعديل السلوكِ بطريقةٍ صحيحةٍ ودائمة، لقد اتضح أن السلوك الإنساني صناعة حتى كتب أحدهم عن تكنولوجيا السلوك الإنساني[11] ، وهكذا لم تعد القوة أداة لازمة للتغيير سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع أو على مستوى الدول، لكن تاريخ التقدم الإنساني يعلمنا أن الأفكار العظيمة لا تدخل في حياة الناس بمجرد أن تقوم الحُجَّةُ على صلاحيتها، بل أن البشر عبر تاريخهم، أبدَوا مقاومةً صلبةً أمام أفكارٍ تبدو الآن كخطواتٍ مفصليةٍ في تاريخ الجنس البشري، فلم ينتهِ الرِّقُّ رغم كلّ المواعظ والخبرات وكل الآلام والأثمان، ولم تغرب شمسُه من تاريخ البشر حتى اخترعتِ الآلةُ التي قوَّضت اقتصادَ الرق و جعلت الاحتفاظَ به حماقة لا تغتفر، وهذا سببُ الموقف المختلف للجنوب الزراعي والشمال الصناعي في أمريكا من قضية الرق، فلم تكن الدوافع أخلاقيةً عند الطرفين، وكذلك في موضوع العنف والدولة فقد حدثت الصدمة الأولى عند أولِ تفجيرٍ نووي، ولكن كان في السلاح التقليدي والدول المتخلفة فسحةٌ للدول الكبرى لممارسة هذه التسلية، لكن بعد حرب العراق ولبنان عام ألفين وستة، فلا شكّ أن العسكريين في كل العالم سيَعُدُّون لأرقام متقدمة جداً قبل أن يبدؤوا حرباً جديدة ولا أَدَلَّ على ذلك من الاستعصاءِ الذي تشهدُهُ الحالةُ الإيرانيَّةُ والترددُ الكبيرُ في استخدامِ القوةِ من قِبَلِ الإدارةِ الأمريكية، وكذلك الأمر في فكرة مساواة المرأة، فرغم السنين والجهود، والنضال والتضحيات، فإن قضية المرأة لم تُحقق التقدمَ الذي تتطلع إليه، ويمكن بتعداد الساسة الغربيين ونسبتهم إلى كلا الجنسين معرفة مقدار انعدام المساواة المُعاش الذي لا يتكلم به أحد، بل لقد كشف البرلمان الأوروبي مؤخرا عن غبن بالغ يطال النساء العاملات في الاتحاد نفسه، حيث فارق الرواتب بين الجنسين لنفس العمل حوالي الـ200 يورو ، دون أن نعني بذلك أن قضية المرأة لم تحرز أي تقدم، أو أننا ندين ما أحرزته قضية المرة من مكتسبات في المجتمعات الغربية. وكذلك قضية العدالة التي هي هَمٌّ إنساني رافق الإنسان منذ دخل الحياةَ الاجتماعية[12]، ورغم التقدم الذي حققه الإنسان في هذا المضمار فإن العدالة الكاملة مازالت أفقا يتطلع إليه الجميع، بل إن الجميع يتطلع إلى عدالة معقولة بين الدول وبين الأفراد داخل الدول، ونفسُ المسارِ تسيرُ فيه قضيةُ اللاعنف. صحيحٌ أنَّ الإنسانَ بدأَ في العنف اضطرارا، لكن العنف وصل إلى مأزق وأصبح اللاعنف اضطرار وليس خيارا بعد مآزق القوة والعنف المتتالية التي تحدثنا عنها، وإنها سنة الله وقانونه الذي يحكم التاريخ والحياة والتطور الإنساني يقول تعالى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 106]) . وهكذا نرى أن الدين عموما والإسلام خصوصا، لا يمكن أن يتعايش مع العنف بحسب طبيعته، وأن ممارسة العنف لا تكون أبدا بمبررات دينية، إن العنف يغتال الفكرة عندما يصاحبها ويسير في ركابها، وإن القرآن واضح في موقفه من العنف بشكل لا يدع مجالا للالتباس، لكن تحويل الضرورات التاريخية إلى أحكام مقدسة هو منشأ سوء الفهم والتأويل الذي يعانيه الكتاب الكريم، فالدين بحسب القرآن لا يمكن نشره أو الدعاية له عبرالقوة ، كما أن الاجتماع الإنساني بحسب القرآن يميل للتحرر من العنف والقوة كأداة توازن، ورافعة استقرار، كما أن آيات الآفاق والأنفس والتي هي مرجع القرآن وشاهده تبين بشكل يقطع كل التباس أن عصر العنف والقوة إلى زوال، وأن الذين يقدسون القوة والعنف اليوم مثل الذي يعيشون في مجتمعات لم تتمكن من تحصيل خدمات المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي، لكن مع فارق أن هؤلاء يتطلعون إلى تلك الخدمات ولا يدافعون عن واقعهم المتخلف، بينما المفارقة المدهشة أن ضحايا القوة هم أكثر المدافعين عنها، وهم أكثر الداعين إليها في غرام سقيم بها، وعلى كل فإن من لم يتعلم من وعظ التاريخ القاسي[13] فسيدفع الأثمان مضاعفة وسينطح الجدار حتى يعلم أنه يسير باتجاه الحائط وليس المخرج وإن الله لن يمل حتى نمل. د. محمد العمار [1] كان النبي يتهم بالجنون إذا قال غير المألوف أو الغريب بحسب معطيات الزمان والمكان، ويتهم بالسحر إذا قال ما هو مؤثر ومقنع يجعل الآخرين يتبعون دعوته. [2] هذا الموضوع الأدلة عليه كل التاريخ الإنساني، لكن التاريخ يعلمنا أن البشر يقعون في أسر الأسالبب التي يستخدمونها سواء كانت هذه الأساليب تربوية أو ثقافية أو أجتماعية أو حتى تقنية (يمكن للتفصيل مراجعة دراسة مختصر التاريخ ج أ توينبي). [3] يمكن قراءة واستقراء مثل هذه الحقيقة بشكل متكرر بالروح التي كانت تسيطر على النبي خلال المواجهات، حيث كان يؤثر السلم وإن غلا ثمنه على المواجهة، كما حدث في صلح الحديبية، وكان يقول لأصحابه وهو يقود الجيش الجرار في فتح مكة "والله لا تسألني قريش اليوم أمرا في صلة الرحم وحقن الدم إلا أجبتهم". [4] لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد : 25] [5] إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء : 58] [6] وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال : 46] [7] سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت : 53] [8] يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة : 219] [9] سكنر تكنولوجيا السلوك الإنساني لا أذكر الصفحة. [10] دون أن ننكر التقدم الذي حفزته المؤسسة العسكرية وهي تبحث عن أسباب تفوقها وعوامل النصر وأدواته وآلاته، فقد أهدت للبشرية الطاقة النووية والانترنت، والأمواج فوق الصوتية والنقل الجوي..................... [11] كتاب "ما بعد الحرية والكرامة" لعالم النفس السلوكي الأمركي ف.سكنر والذي ترجم بعنوان تكنولوجيا السلوك الإنساني. [12] بل إنه بحسب القرآن هو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب يقول تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [الحديد : 25] [13] (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) [يونس : 97]

إسلا

ليست هناك تعليقات: