السبت، 2 أغسطس 2008

مسائلة اللاعنف

بسم الله الرحمن الرحيم الأخ المكرم مسعود شكرا للأسئلة النابهة الذكية، وأحب أن تعلم أني قد واجهت صعوبة كبيرة في التحرك للإجابة عليها، وذلك أن الأسئلة كما فهمت أسئلة شخصية أكثر منها أسئلة معرفية، بحيث أشعر أن المطلوب هو ما يعتقده الأستاذ جودت حصرا، ومع ذلك فقد تحاملت على نفسي وكتبت ما ترى، وأنا أشعر أنه ضعيف ومخل، بحيث لم تطاوعني نفسي على إرساله كل هذه المدة، وعلى كل فهذه عينة للإجابة عن الأسئلة العشر الأولى بانتظار انطباعكم وما ترونه في الموضوع. والسلام عليكم أخوكم د. محمد العمار 1) تقول:(إننا لا نستطيع أن نعرف الحقيقة المطلقة , لأن رؤيتنا وفهمنا لها يتغير من زمن إلى زمن , ومن شخص إلى آخر , لذلك ليس هناك حقائق حقيقية في حياة الإنسان , والله وحده هو الحقيقة الحقيقية, أمّا نحن فكلنا حقائق نسبية , فما يكون حقيقة في يوم من الأيام بالنسبة للناس يتجاوزه التاريخ ويصير شيئاً آخر ) (مفهوم التغيير ص 94) هل ما زلت على هذه القناعة؟ 2) كيف استنتجت هذه الفكرة (فكرة أنه لا توجد حقائق حقيقية في حياة الإنسان) ؟ 3) لكن قوانين الوجود وسنن الله في الآفاق والأنفس أليست حقائق مطلقة وثابتة , (ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً) ؟ ج - أعتقد أن الأسئلة الثلاثة الأولى يمكن الإجابة عنها من خلال معالجة هذا السؤال. فمما لا شك فيه أن سنن الله في الآفاق والأنفس حقائق ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، لكن معرفتنا بها وإدراكنا لها أمر مختلف ومتفاوت، وهو ينمو كلما ازدادت معرفتنا بهما، فما في أذهاننا من معارف لا يساوي ما في الوجود من حقائق. إن التاريخ يعلمنا أن البشر جميعا كانوا ولمئات السنين يخطؤون في فهم حركة الشمس, وكانوا متيقنين من معرفتهم لدرجة أنهم كانوا مستعدين أن يموتوا ويميتوا في سبيل ذلك، بل وقد أماتوا الكثيرين لما جهروا بخلاف قناعاتهم! إن كل من له أدنى اهتمام بتارخ العلم، يعرف كيف نمت وتطورت معرفة البشر بحقائق الوجود عبر التاريخ، فحقائق الوجود لم تتغير، وإنما معرفتنا بها هي التي تغيرت، وعندما تغيرت معرفتنا بها تغيرت علاقاتنا معها وفتحت أبواب التسخير للكون، الذي وصفه الله بأنه مسخر(بالقوة على تعبير علماء الكلام) أي قابل للتسخير كما نفهم اليوم، وتسخيره متوقف على نمو معرفتنا به وإدراكنا لقانونه، وعند ذلك يكون في خدمتنا. أعتقد أن شابا مجتهدا ذكيا يمكن أن يفهم هذا الموضوع بشكل جيد إذا أعاد قراءة مبحث مراتب الوجود في كتاب إقرأ 4 ) قلت :(الحقيقة الحقيقية غير الحقيقة الذهنية)(الهجرة إلى الإسلام , ص17) القرآن الكريم أي حقيقة منهما يعطينا ؟ ج - مما لا شك فيه أن القرآن يعطي حقيقة ذهنية وليس حقيقة حقيقة، ولو كان القرآن يعطي حقائق حقيقة لما اختلف العلماء والمفسرون في تفسيره وتأويله مذاهب شتى، فالقرآن وإن كان منزلا من عندالله لكنه نزل بلغة العرب وليس بلسان الله(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ولغة العرب لغة بشرية، يعتريها كل ما يعتري منتجات البشر من قصور، وحتى يأمن الكتاب غوائل لغة البشر، أوصى الحق سبحانه عباده الذين يقرؤون كتابه بالسير في الأرض والنظر فيها، والتدبر في قصص الأولين، وفتح عيونهم على ما في السماوات والأرض من آيات، وأخبرهم أن الآفاق والأنفس ستشهد بصحة هذا الكتاب،وتثبت أنه حق منزل من عند الحق، وشهادة الآفاق والأنفس لا يمكن أن ترد أو تقدح، فهي تقطع كل جدل. أخي مسعود: إن لغة الكتاب الكريم مثل أية لغة، واللغة هي إلتباس على حد وصف علماء اللغة، واللغة تخون الفكرة مثلما تخدمها، ولكن ليس لنا عنها بديل، فالتواصل من غيرها صعب صعوبة لا يمكن أن يتصورها من يعيش في عهد اللغة، ولكن يمكن ان يحسه من يسافر إلى بلد لا يعلم لغته، ورغم دورها الحيوي في تحسين شروط الإتصال البشري، والحياة البشرية بشكل عام إلا أنها أداة غير مأمونة، ولا نهائية في توصيفها للأشياء ونقلها للحقائق، ولذلك لم يأمنها الحق على كتابه ولهذا أمرنا بفتح عيوننا وعقولنا على الكون والأنفس، وقال لنا إن القول الفصل فيهما(سنريهم آياتنا في الآفاق والأنفس حتى يتبين لهم أنه الحق). 5) تشير في بعض كتاباتك إلى (صنم الحرفية) في التعامل مع القرآن . ما المقصود بـهذا المفهوم , مفهوم (حرفية التعامل) مع القرآن ؟ ج - أعتقد أنه يقصد أننا يجب أن لا نقف عند حرفية النصوص، لأن بعض هذا الوقوف قد يضيع مقاصد الشريعة، وأهدافها الكبرى، وهذا أمر كثير المشاهدة في حياتنا اليومية، وقد عرض مثل هذا الموقف لأصحاب محمد في وقت مبكر لكن كان فيهم من يعرف المقاصد الكبرى للرسالة، والأهداف الأساسية لهذ الدين ولذلك لم تلتبس عليهم السبل، كالفاروق وأمثاله ممن يعرفون روح الدين، لذلك لم يترددو كثيرا في تجاوز الحرف (النص) حفاظا على المعنى والمقصد، وعلى هذا الأساس وانطلاقا من هذه الرؤية، ألغى عمر سهم المؤلفة قلوبهم، وهونص صريح واضح محكم في القرآن، وثابت في فعل النبي عليه الصلاة والسلام، لكن علة وجوده في الحياة العملية الواقعية قد انتفت، ومن ثم لم يعد من مبرر لبقائه، ولذلك لم يجد رضوان الله حرجا في تجاوزه، ولم يكن يشعر أنه يخالف أوامر الله ويفتئت على شريعته، وهو يقوم بذلك الفعل، على الرغم من أن النص واضح في القرآن وهو محكم، وهناك ما يعضده في السنة العملية للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن كل ذلك لم يشفع له أمام آية الآفاق، التي ترى بالعين وتدرك بالعقل وتقول أن كل الظروف التي كانت تستدعي مثل هذ الحكم قد زالت، ولذلك لا بد أن يتوقف، وهذا ما فعله عمر ووافقه عليه أصحابه، مثل هذا الأمر قد حدث مرة ثانية في فتح العراق وتوزيع غنائمه كما هو منصوص عليه في الكتاب وكما مارسه عليه الصلاة والسلام، لكن الواقع كان يتكلم وعمر يفهم لغته، وهي تقول بكل الوضوح إن التطبيق الحرفي لنص آية الفئ هو إغتيال لروح لشريعة وتدمير لمقاصدها، ولذلك رأى عمر رأيا مختلفا في توزيع أرض السواد في فتح العراق، وحدث جدلطويل وكان له خصوم لهم وزنهم الاجتماعي والسياسي والديني، ولذلك احتاج عمر أن يعقد ما يمكن أن نسميه مؤتمرا اليوم، شارك فيه أوسع قطاع ممكن من أصحاب محمد، من ذوي الرأي والفقه في الدين، وكانت الغلبة لما ذهب إليه عمر فتم إقراره والعمل به، ذلك أن الرعيل الأول كان فيهم جيل قد فهم مقاصد الدين، واستمسك بالعروة الوثقى فلم يكن ليلتزم بالحروف على حساب الحقائق ولم يكن ليلتزم بالمظهر على حساب الجوهر. 6) كيف تقرأ القرآن , هل هناك من معايير وأدوات محددة تأخذها بعين الاعتبار عند القراءة ؟ ج - نقرأ القرآن كما قرأه السلف، فالسلف لم يكن لهم سلف، إنما كانت لهم عقول وعندهم معارف وعلوم عصرهم انطلاقا من هذين المعطيين قرؤا القرآن، وكتبوا ما تركوه لنا، ونحن عندنا من المعارف والعلوم أكثر مما عندهم بأضعاف مضاعفة، ولقد وهبناالله ملكة العقل التي وهبهم ومن ثم فنحن لدينا إمكانات لفهم كتاب الله أكثر مما كان لديهم بحكم الفارق المعرفي بيننا وبينهم وبالتالي ففرصتنا في التعرف على هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه أكثر من فرصتهم، والقرآن يعج بالنصوص التي تدل بشكل لا لبس فيه على أن من يعرفون الخلق هم الذين يخشون الخالق، وكلما كانت معرفتنا بالخلق أكثر كلما كانتى خشيتنا للخالق أكبر يقول تعالى:(إنما يخشى الله من عباده العلماء) والقرآن يشير أيضا بكل الوضوح إلى أن من عندهم العلم والمعرفة هم الأكثر قدرة على تعظيم الله وتقديس جنابه يقول تعالى : (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا)كما أن فيه من النصوص ما يدل بشكل قاطع على من يملكون من العلم والمعرف أكثر هم الأكثر قدرة على فهم هذا الكتاب والاهتداء بهديه وهم الذي يملكون الجرأة على الاعتراف بجلال مصدره وقداسة منزله يقول تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد)والنصوص في هذا المضمار كثيرة تفوق الحصر. 7) هل منهجية القراءة لديك هي نفسها منهجية الاجتهاد ؟ ! ; ج – أظن أني قد شرحت لك السبيل الذي يقرأ من خلاله الأستاذ النصوص أو على الأقل طوفت حوله، لكني لم أفهم ماتقصد بالاجتهاد على وجه التحديد! وعلى كل، فأنا أتصور أن ما يقوم به الأستاذ هو اجتهاد، وأنا أعتقد أن كل فهم جديد في ي مجال هو نوع من الاجتهاد، وأتصور أن ما يقوم به الأستاذ هو اجتهاد كبير وأساسي، ويتناول إعادة تأسيس التصورات في العالم الإسلامي عن الله والقرآن والكون والإنسان، لكني أتصور أن الأيام المقبلة سوف تشهد وتسجل هذه الرؤية في ضمائر المسلمين وعقولهم، بل أقول في ضمائر الناس وعقولهم. 8) تحدثت عن مراتب الوجود الأربعة عند الغرالي : الوجود العيني والوجود الذهني والوجود اللفظي والوجود الكتابي , وقلت:(أنّ مشكلة الانتقال من الحقيقة الخارجية إلى الصورة الذهنية , ومنها إلى الكلمة , ومن الكلمة إلى الكتابة , أنّه في كل مرحلة يتبدد قسم كبير من الحقيقة , حتى إنّه يمكن أن يكون المفهوم معاكساً للحقيقة المرئية أول مرة , فالعين لا يوثق بها والأذن أيضاً لا يوثق بها , لأنها يمكن أن تفهم الشيء فهماً خاطئاً) (مفهوم التغيير ص 94-95) ألم تلاحظ إنّ رحلة البحث عن الحقيقة انطلاقاً من القرآن تعكس العملية , أي أننا ننطلق من الكلمة المكتوبة , إلى اللفظ , إلى الصورة الذهنية, إلى الوجود العيني , بحيث يكون الواقع برهاناً على الكلـمة القرآنية , وليس الكلمة القرآنية برهاناً على الواقع ؟ ج - أعتقد أن رحلة البحث عن الحقيقة في العالم القديم هي الانطلاق من الكلمة، لأن الإنسان عبر تاريخه مر عليه وقت لم يكن يميز فيه بين الاسم والمسمى، وهذا ورثه المسلمون من الأولين،أما منهج البحث عن الحقيقة في القرآن الكريم فهو قوله تعالى : - (سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) وهي كما ترى دعوة للذهاب إلى الواقع يأمرنا بها الكتاب.، فمصدر المعرفة الكون وليس الكتاب وهذا واضح بنص الكتاب. - أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يفقهون بها أو أذان يسمعون بها أو ....... - قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. ومثل هذه النصوص التي أعتقد أنها تمثل منهج القرآن في البحث عن الحقيقة كثيرة، وهي دعوة صريحة من القرآن لنا كي نتحرى الحقيقة خارجه وليس فيه، بل إن القرآن يستدعي الآفاق والأنفس للشهادة له على أنه حق منزل من عند الحق. لقد اعتمد الناس على اللغة في فهم الكتب المقدسة، لكن اللغة لم تحل المشكل، ولم توضح الملتبس ومن ثم تفرق الناس، وصاروا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، لكن عندما تكلمت لغة الخلق(في الآفاق والأنفس) خفتت الأصوات فلا تسمع إلا همسا، وقد تكرر مثل هذا كثيرا في تاريخ البشر، فلم نعد نسمع في العالم الإسلامي الأصوات التي كانت تنكر كروية الأرض حتى عهد قريب، والذين أعدموا من كان يقول بدوران الأرض حول الشمس، ممن كان قبلنا من أهل الكتاب كفّروا عن فعلتهم فبنوا للزنديق الذي أعدموه تمثالا، وبرؤوه مما نسبوا إليه من الكفر ينقطع الجدل مثلما حدث في موضوع دوران الأرض وكرويتها).، فمنهج البحث في القرآن واضح وآياته تلل عليه، أما ما تسميه أنت منهج بحث فهو ما عليه الناس في العالم الإسلامي، وهذا ليس حجة إلا على أصحابه أمام الله، وهم قد ورثوه من آبائهم فصدهم عما أنزل الله عليهم من البينات، وحال فهم آبائهم للنصوص بينهم وبين أن يفهموا النصوص بعقولهم في ضوء معطيت واقعهم الذي قطعت فيه آيات الله في الآفاق والأنفس أشواطا كبيرة عما كان عليه الحال عند الآباء. 9) كتبت:(تواطأت شهادة الواقع الذي هو علم متجسد , وكتاب متجسد , مع شهادة الكتاب الذي هو بيان موثق بالوقائع , فهما واقع موثق بالكتاب وكتاب موثق بالواقع )(أبحاث في الوحدة الإسلامية , ص65) لكن المعلوم أنّ الواقع متحرك ومتغير , والكتاب ثابت , فكيف يكون ما هو متحرك موثق في ما هو ثابت , وما هو ثابت موثق في ما هو متحرك ؟ ج – إن الواقع متغير من ناحية فهمنا وإدراكنا له فمعرفتنا بالواقع متغيرة نامية، لكن الواقع الخارجي كوجود موضوعي ثابت من ناحية الوجود، وهو ثابت من ناحية خضوعه للسنن التي تحكمه، فهي ثابتة وتتضمن عواقبية مطردة، وهذا معنى العلم عند الأستاذ كما يفهمه من الكون والقرآن، والكتاب أيضا ثابت من ناحية باعتبار تأويله النهائي الذي لا يعلمه إلا الله، لكنه متغير من ناحية فهمنا له فهو عرضة للتغير والتبدل بحسب ما يزاد في علمنا ومعرفتنا، ولتلخيص الموضوع أقول إن الكون أو الواقع أو الوجود (أي مصطلح أردت) هو كلمات الله بلغة الخلق الإلهية التي لا يمكن أن تلتبس، بينما الكتاب هو كلمات الله بلغة البشر القابلة للإلتباس، فالأولى هي الأصل، والثانية هي الفرع لكنهما في النهاية أسلوبان في التعبير عن حقيقة واحدة، هي الكون الذي هو الدليل والرمز على الخالق سبحانه وتعالى، فبقدر ما نعرف الدليل والرمز بقدر ما نعرف المدلول والمرموز إليه.(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذي يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار). 10) هل يمكن لجيل لاحق أن يفهم القرآن على وجه أفضل من الجيل السابق (هذا السؤال طرحه الأستاذ محمد عدنان سالم في تقديمه لمؤلف "التغيير: مفهومه وطرائقه" ص 20 )؟ ج – لا شك أن هذا ممكن، ومعظم التراث الذي نحن أسرى سجنه، لم يصنعه الجيل الأول ولا الثاني، فكل المدونات الكبرى في الفقه والحديث كانت من صناعة الأجيال المتأخرة، فلو كان تصورك صحيحا لكانوا أجدر منا بأن يقفوا عندما كان عليه الصحابة، لكن الذي يعرف تاريخ علم الكلام والفقه يعرف أن الطوارئ والمستجدات كانت تفرض عليهم، أن يدخلوا ميادين لم يدخلها الذي من قبلهم وهذا واضح مشهور في تأويل آيات الصفات في علم الكلام، وهو واضح أيضا في الفقه ومعلوم أن الشافعي كان له مذهبان قديم وجديد، وكل الذي تغير في حياته هو المحيط الجغرافي والبشري من العراق إلى مصر،ويمكن أن يقاس على هذين المجالين كل المجالات عليه والعلوم الأخرى، ولو كان الأمر كما يتصور عامة المسلمين مما تخصه المقولة المشهورة (ما ترك الأول للآخر شيئا) لم يكن ثم معنى لقوله تعالى (ثم إن علينا بيانه)، ويمكن أن نفهم كيف يبين الله في ضوء فهمنا لآية حتى يغيروا فكما أن الله يغير بواسطتنا كذالك نفهم أن البيان يحدث بواسطتنا، وهذا معناه أن إمكان أن نفهم جديدا متاح وإلا لما كام هناك معنى لتأخير البيان،وهذأ مر صرنا نلمسه جميعا لمس اليد، ونراه رأي العين، حيث أن كثيرا من المعاني القرآنية أخذت تتجلى وتتضح بتقدم المعارف الإنسانية. الأمر الأكثر خطورة وجدية هو النتائج التي يمكن أن تترتب على تصور عدم إمكان ظهور فهم أقرب لكتاب الله من فهم السلف ينطوي على نوع من الوثنية، وسوء الظن بالله وكتابه في غاية الشناعة لأن من معاني ذلك أن يكون السلف قد استوعبوا كتاب الله، تماما كما أراد الله أن يبين، وأن كلمات المفسر منهم مساوية ومعادلة لكلمات الله سبحانه، ولا أعتقد أن مسلما يقبل بمثل هذا التصور في حالة اليقظة العقلية. 11) أنت تقول:(ليست الكلمات هي الحقيقة , بل هي رموز عن الحقيقة) , والله سبحانه وتعالى يقول:(ويحقّ الحقّ بكلماته), هل هناك مجال للمصالحة بين الفكرتين ؟ ج – أعتقد أن هذا السؤال قد اتضح معناه فيما أسلفنا من أن الوجود كلمات الله بلغة الخلق المباشر دون وسيط بشري، بينما القرآن كلمة الله بلغة البشر (العرب). فالله يحق الحق بكلماته المنظورة في الكون وهي الأصل الذي تتبع له كلماته المسطورة في الكتاب وليس العكس كما هو شائع، فما في الكتاب لم يحل مشكلة الأديان ولا الطوائف ولا المذاهب بينما ما في الكون لا متسع فيه للشقاق فالنار تحرق الجميع عندما يخالفون قانونها، والكهرباء تصعق الجميع عندما يخالفون قانونها. 12 ) - كتبت في (أبحاث في الوحدة الإسلامية ص70) :(أنني لا أزال من الّذين لا يثقون بالأفكار إذا لم أتمكن من رؤيتها من خلال القرآن . ومهما ظننت أني محلق في الفكر أجدني لا أحسن المشي على الأرض إلا إذا تعلقت بحبل من السماء , كالأعمى الذي يتلمس طريقه بالملامسة . ولكن ثقتي بالقرآن أيضاً رجعت بي مرة أخرى إلى الواقع الذي يثبت لي صدق ما في القرآن . لهذا من الأفضل أن أقول أنني إن لم أمسك بالقرآن بيميني , وبالتطبيق بشمالي , وأحدق جيداً في العواقب من خلفي وأمامي , فلا أشعر أنني أعيش وأتحرك في النور ) (أبحاث في الوحدة الاسلامية ص 70) هل نفهم من ذلك أنّ معايير الحقيقة لديك هي القرآن والواقع والعاقبة (النتيجة) ؟. ج – أعتقد أن المقصود بهذا الكلام أن المعرفة لا يمكن أن تتقدم إلا بجناحي الواقع والنص، وأن ما في الكتاب لا يمكن القطع بمعناه وإدراك قيمته و أهميته بمعزل عن الواقع، كما أن الإنسان كما يردد الأستاذ كثيرا بدون نص صفر أيضا لأن معنى الاستغناء عن النص أن نستغني عن تراث الأولين وننبدأ من الكهف، لكن الوقوف عندما أنتجه الأولون من نصوص وفهم للنصوص إيقاف للتاريخ وحجر على التقدم الإنساني، والأستاذ باعتباره مسلما تربى على هذا الكتاب فإن نفسه لا تطمئن لشئ إلا إذا وجد له سندا في القرآن، والذي شرح صدره وسهل الأمر عليه أنه وجد القرآن يحيله على الواقع، ويجد في الواقع ما يصدق الكتاب، وهكذا فهو يسير في طريق العلم بالنص والواقع. 13) إذا أردنا أن نقسم يومنا بين الواقع والكتاب , فكم ساعة نعطي للكتاب, وكم ساعة نعطي للواقع ؟ ج - يمكن مراجعة بحث العلم والعمل في كتاب كن كابن آدم، لبيان علاقة الواقع والكتاب وأهمية كل منهما ومجاله. وعلى كل يمكن أن نجمل فنقول: إن الأساس هو الواقع، فهو الذي ينتج الكتاب والنص وهو الذي ينتج معنى النص المعطى كما في حالتنا، والنص المنتَج يفيد في تعليم وتعميم المعاني المتحصلة من العمل الأول في الواقع، وهكذا فالنص القرآني يحتوي على معاني متحصلة من معاناة واقع سابق في تاريخ البشر، كان يدركها معاصروا النبي، ويتضمن أيضا أجنة لعلوم ومعارف لاحقة سوف ينتجها التعامل مع الواقع في الأيام المقبلة، حتى يقول من يتعامل مع الواقع آمنا به إنه الحق من ربنا، وآية سنريهم ما زالت مفتوحة مثل أول مرة قرئت فيها في زمن الوحي، رغم كل ما جد من علوم ومعارف في حياة البشر، لأنها تتحدث عن كلمات الله في الكون وكلمات الله لا تنفذ ولو كان البحر مدادا لها. 14) ترى أنّ التوحيد هو أن نؤمن بالعقل (ندوة عرطوز الخميس4/5/2006) , وتقول: أنه إذا أردنا أن نعيد للعقل وظيفته , فلا يعني ذلك معارضة أمر القرآن (حتى يغيروا ما بأنفسهم ص 194) ما وظيفة العقل في مقابل وظيفة القرآن ؟ ج – لا أعلم على وجه الدقة ماذا تقصد بالقرآن، فالقرآن الذي نقرؤه يأمر بالعقل والتعقل والتدبر والتفكر باعتباره الواجب الديني الأكثر إلحاحا، أكثر من الصوم والصلاة والحج والزكاة، ويمكن من خلال قراءة القرآن أن نفهم وظيفة العقل، فالقرآن يحدد هذه الوظيفة ويوصفها بدقة، فوظيفة العقل هي التعامل مع آيات الله في الكون والكتاب، ولذلك يكثر في القرآن الحديث عن آيات الله في السموات والأرض تتلوها اللاحقة، أفلا يعقلون، وهذه دعوة مباشرة صريحة لتوظيف العقل في استقراء آيات لله في الكون، وكذلك هناك الكثير من الآيات التي تحض وتوصي وتأمر بتدبر وتعقل وفهم آيات الكتاب، إذا فالكتاب بلا عقل ليس بشئ، وإنما قيمة الكتاب بالعقل لذلك قال الله أن هذا الكتاب للعقلاء، وقد اتفقت كلمة الناس أجمعين أن سقوط العقل يعني سقوط التكليف، والقرآن يعطي العقل صلاحيات لاحدود لها، والذي يفكرون بالحجر على العقول يخطؤون ثلاث مرات فهم يخطؤون في فهم الله ويخطؤون في فهم الكتاب ويخطؤون في فهم الإنسان 15) الأولون رأوا أنّ الإعجاز القرآني يكمن في بلاغته اللغوية , والآخرون رأوا أنّ أعجازه في علميّته , حضـرتك في أي شيء ترى أعجاز القرآن ؟ ج – اعجاز القرآن يتجلى في هذا العصر بأن المسلم الذي يفهمه لا يشعر بالاغتراب، بل يشعر أن هذا الكتاب منارا هاديا يدله على الطريق، ويشعر بمعنى حبل الله المتين والصراط المستقيم، وهو بقراءة القرآن واستقراء الواقع يشعر بحاجة البشرية لنورهذا الكتاب وهديه، وهو من معرفته بتاريخ العالم وحاضره يفهم بعقله ويرى بعينه، ويؤمن بقلبه، بقوله تعالى (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)) 16) ترى أنّ سبب انقطاع الوحي التقليدي هو أنه صار بإمكان الإنسان أن يعي قانون الوجود من الوجود نفسه . كأنّ دليلك أعم من مدّعاك , أم أنّك ستكشف لنا سر العلاقة بينهما ؟ ح – أشعر بعدم الارتياح لعبارة(دليلك أعم من مدعاك) وأحس أنها لا تنتمي إليك وهذا لا يهم كثيرا، والذي يهم أن تعرف أو أن تتذكر لأني أعتقد أنك تعرف أن الإنسان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فقد كان يعيش على ماتنبت الأرض، يتجول عار في الغابات، يسكن الكهوف، يطارد الحيوانات وتطارده، يتمكن منها وتتمكن منه، ثم تمكن بم أودع الله فيه من امكانات، من استئناس الحيوان وإيقاد النار، وزراعة البستان، وصناعة الآلات، فصنع المحرك واستبدل عضلة الحصان بما شاء الله له، ثم دخل عصر المعلومات ومازال الأفق مفتوحا إلى ما لا يعلمه إلا الله ، وإن المعرفة بتاريخ الإنسان تبين لنا أن الإنسان ما كان يمكن له التقدم عبر هذه المفاوز خلال تاريخه، لو لم يتمكن من فك رموز الوحي الكوني بالتعرف على قوانين الوجود. والعلاقة بينهما فيما أتصور أن الإنسان قبل عصر الكتابة، كان يسير بخطا وئيدة، وكان يعيد اكتشاف الحقائق من جديد في كل مرة، لكن معرفة الكتابة اكسبت ذاكرته الخلد على حد تعبير الاستاذ جودت، ومكنته من تراكم المعرفة، وهذا التراكم ضاعف امكاناته في التلقي المباشر عن الله عبر لغة الخلق التي ينطق بها الوجود مسبحا بحمد الله، ( وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولك لا تفقهون تسبيحهم) إضافة إلى أن اختراع الكتابة مكنه من الاحتفاظ بالرسالة الأخيرة، دون تشويه أو تحريف، وهي تتضمن فيما تتضمن الإشارة الواضحة على أن انقطاع الوحي من السماء قد عوضه انفتاح الوحي عبر الآفاق والأنفس. 17) تقول أنّ:(النظر الموضوعي:أن ترى الشيء أو الحدث كما هو عليه . والنظر الذاتي:أن ترى الحدث أو الشيء كما تريده أنت , ولا يشترط أن يكون كما هو في الواقع , وأنّما كما يتخيله الذهن)(حتى يغيروا ما بأنفسهم ص ص172) مذهب أبن آدم الأول! , أهو موقف موضوعي , أم ذاتي , هل هو ما تريده أنت , أم ما يريده الواقع الموضوعي ؟ ج – إن الموقف الذاتي هو ما نتصوره ونظنه ونعتقده، والموقف الموضوعي ما تدعمه وقائع التاريخ وأحداث الكون، وابن آدم كما نؤمن ونتعبد الله به هو الموقف الموضوعي الذي تشهد له آيات الكون وآيات الكتاب بحسب ما نفهم من التاريخ والكون والكتاب، والتاريخ يحكم على الأفكار مثلما يحكم على الأشخاص(قل اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون). وهو الذي سيثبت صدق مدعانا أو زيفه! وإذا كان ادعاؤنا زائفا فإن التاريخ لن يرحمنا وسنذهب جفاءا رغم أنوفنا، وإذا كان ادعاؤنا حقا موضوعيا، سيكتب له البقاء رغم أنف من كره.(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون). 18) هل تدعو لتطبيق مذهب أبن آدم الأول بين المسلمين فقط , أم بين المسلمين وغير! المسلمين أيضاً ؟ ج – ابن آدم لغة العالم المقبل الذي بدأت تلوح تباشيره في الأفق والذي يحجب المسلمين عنه تعظيمهم لآبائهم، وعدم معرفتهم بتاريخ الخلق، وسوء فهمهم لآيات الكتاب بل أقول بانقطاعهم عن الوحي المسطور والوحي المنظور، حيث حجبهم عن الأول تعظيم آبائهم الأولين، وكأن القرآن لم يدن الآباء أو كأن آباءهم استثناءا على الله ، وقد حال بينهم وبين الثاني عدم سير في الأرض كما يأمرهم الكتاب، فابن آدم فيما نتصور لغة التعامل التي تليق بالإنسان المكرم الذي نفخ الله فيه من روحه وأسجد له الملائكة، بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه. 19) شرطك للمجاهِد هو أن يكون قد وصل إلى الحكم بطريقة شرعية , لكن حزب الله ليس حاكماً على لبنان , ولم يفوّضه أحد من الأطراف اللبنانية بعمليته الأخيرة , فهل تصنف معركته الأخيرة الآن مع إسرائيل , بأنها خارج شرعية الجهاد الإسلامي ؟! ج – في الإجابة على هذا السؤال وأمثاله(كل يحدث في العالم الإسلامي من حركات مقاومة وتحرير) أحب أن ننظر لمثل هذه القضية على مستويين: المستوى الأول: هو مستوى الإخلاص وحسن المقصد وسلامة النوايا وهذا نسلم به على وجه الإجمال لكل من يخوضون حروب التحرير. المستوى الثاني: هو مستوى الخطأ والصواب هذا موضوع الجدل ومربط الفرس كما يقال، ونحن بحسب تصورنا للتاريخ وفهمنا للكون والكتاب، نرى أن هذا النفر من المسلمين على صحة إيمانهم وقوة إخلاصهم إلا أنهم يسلكون سبلا لا تؤدي إلى الغايات التي يرجون، والتاريخ القريب يحوي من الآيات على ذلك أكثر مما في التاريخ الغابر، ونحن في الوطن العربي لدينا اثنين وعشرين دليلا على فشل هذ الأسلوب، حيث أن المحتل قد طُرِد اثنين وعشرين مرة من كل البلدان العربية، دون أن يسفر طرد المحتل عن تحرير حقيق للأوطان أو الإنسان في أي قطر عربي، بل قد تمخض طرد المحتل عن قيام حكومات جعلت الناس يترحمون على أيام المحتل، حتى أن إخوتنا في العراق قطعوا شوطا واسعا، فانطلقوا من الترحم على أيام الاحتلال، إلى استقدام المحتل الذي طردوه من قبل، ليخلصهم من ابن جلدتهم ويقوض حكومتهم (الوطنية) ويحل لهم مشكلتهم السياسية، والذي فعله العراقيون يتمناه – بكل أسف- الكثيرون في كل قطر، وفي حمأة الآلام والمظالم والأحقاد ينسى الجميع، أن الذي يحل المشكلات ويدفع أكلاف الحل سيجير الحل لخدمة مصالحه وتحيقيق أهدافه، وهكذا بين سوء الفهم وسوء التقدير يضيع الوطن وتهدر الدماء التي بذلها الأولون في تحريره، ونود لحرث البحر مرة أخرى وكأنا لم نفعل من قبل. 20) تقول أن حزب الله وحماس يعملان وفق مبادىء الثورة الفرنسية, واسرائيل وفق أي مبادىء تعمل؟ ج – أحب أن تعلم أننا نتحدث عن ثلاث أنواع للشرعية : الأولى هي شريعة الغاب أو شريعة القوة وهي الشريعة التي تعمل وفقها الحكومات في اسرائيل وأمريكا وهي الشريعة التي يعمل وفقها المستبدون العرب ضد شعوبهم. الثانية هي شريعة العالم الغربي والتي تتضمن حق الشعوب، في مقاومة الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، وهي تستند لمبادئ حقوق الإنسان الغربي، ومبادئ الثورة الفرنسية، وإعلان الحقوق الأمريكي. الثالثة هي الشرعية النبوية أو الشرعية القرآنية كما نفهما، وهي الشرعية التي تتضمن فتح العقول وليس فتح البلدان، والاستيلاء على القلوب وليس الاستيلاء على الممتلكات، منطلقها المحبة وأداتها العقل وشعارها (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وهي حجر الزاوية الذي أعرض عنه البناؤون طويلا فدفع البشر بذلك كل ما يحدثنا عنه التاريخ من آلام ومآس ودماء. 21) - إذا كان حزب الله وحماس يتشابهان مع إسرائيل باستخدام نفس الوسيلة , وهي السلاح , لكنهما يختلفان معها في الغاية , ففي ساحة المعركة هناك طاغوت, وطرف آخر يحارب الطاغوت , ألا تشرّع له! ما هذه الغاية رفع السلاح ؟ ج – القسم الأخير من السؤال غير واضح، وعلى كل ينبغي أن نعلم أننا إذا أردنا أن نحكم على فئتين تمارسان عملا نراه خاطئا، فأعتقد أننا لا يمكن أن نسمي من يرتكب خطأ أقل بأنه على صواب، وإذا فعلنا ذلك أضعنا معنى الخطأ والصواب، الأمر الآخر أننا إذا أردنا أن نواجه أعدائنا بنفس أساليبهم لا تكون لنا عليهم ميزة ويكون الذي يحسم المعركة هو الفارق التقني الذي نسلم أنه لصالح العدو، والأمر الأكثر أهمية أننا في عالمنا العربي، لو كنا نعرف معنى الله ومعنى الإنسان لما كان يمكن أن تبقى إسرائيل ليوم واحد، إن جهلنا هو رهان أمريكا وإسرائيل وهو ضمان تفوقهما، والتحدي الأكبر أمامنا كيف نتعامل مع إخواننا وكيف نعمل بما بين أيدينا من طاقات(عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويتخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) 22) سألتك مرة عن الآية التالية :(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك ولياً وأجعل لنا من لدنك نصيراً)(النساء:75)(ندوة عرطو! ز , الخميس/3/8/2006) فقلت أنّ هذا القتال يأتي بعد إقامة الأمة الراشدة , لكن من المعلوم أنّ آيات القرآن نزلت من أجل صنع الأمّة الراشدة , فكيف نوقف العمل بها بذريعة إقامة الأمة الراشدة ؟ ج – الذي يؤلم في هذا السؤال ما يعكسه من إحساس عند السائل من أن القرآن الكريم مطبق معمول به، والمشكلة أننا نعطل الآية التي ذكر، كيف غاب عن ذهن السائل أن جميع مبادئ القرآن وأحكامه معطلة؟؟ وأن أقدس ما فيه منتهك مستباح على مستوى الأمة؟؟ أولا تعلم أن التوحيد أقدس مافي الدين؟؟ ثم أولا ترى علماءنا الكرام يطوفون حول الأصنام البشرية، يقدمون لها آيات الإجلال والتعظيم والتقديس؟؟ أولا ترى الآلهة البشرية التي نسعى لها ونحفد ونعظم لها ونسجد؟؟ في أية بقعة من بقاع العالم الإسلامي تطبق الحدود؟؟ في السعودية ! حيث تنفذ شريعة الله بأسلوب كاريكتوري يسئ للدين والإنسان، فالجرائم الكبرى والمجرمون الكبار لاترصدهم (شريعة الله) وسدنتها والمخالفات الصغرى والمجرمون الصغار هم ضحايا أحكام تاريخية تطبق بصورة متعسفة تغيب عنها أبسط قواعد العدالة، فضحاياها غالبا من الباكستانيين والفليبينين والهنود وهلم جر، أما الأورربيون فهم فوق الشريعة، ولا تطبق عليهم، عجبا والله وأي عجب أين آيات الله في حياتنا؟ من أدنى المستويات إلى أعلاها؟ كيف يغيب عنا هذا الواقع المرير ؟ كيف زينوا لنا هذا الخراب؟ كيف سحروا أعيننا وعقولنا فحرمنا من القدرة على إبصار هذا الواقع المرير؟ كيف ضاع منا أن توحيد الله يعني أن نوحد بين عباده أما القانون حتى لو أن فاطمة بنت محمد قطعت لقطع محمد يدها، أين يحدث هذا في عالمنا؟ لقد بين الحق أن الهدف الرئيس لأنزال الكتب وإرسال الرسل هو إقامة العدل بين الناس(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) وقديما قالوا أينما كان العدل فثم شرع الله، فأين العدل اليوم؟ في أي البقاع يوجد وبعدها نسأل أين دين الله إذن؟ ماهو معطل منه وما هو مفعل؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ 23) ما الفرق بين الجهاد والقتال في سبيل الله قبل الأمة الراشدة , وبعد الأمة الراشدة ؟ ج – هذا الموضوع بحث كثيرا، لكن لا بأس بالإعادة ولن نمل من التكرار، وباختصار أقول في دين الله كما نفهمه لايوجد جهاد ولا قتال من أجل إقامة حكم الله في الأرض، لأن حكم الله يجب أن يدخل إلى قلوب الناس وعقولهم وليس أن يفرض عليهم من عبر القوة والإكراه، إن القوة تخلق منافقين ولا تخلق مؤمنين، و صناعة مجتمع الرشد يجب أن تم بأساليب رشيدة مشروعة، لاتصنع الشرعية بغير الشرعية، ألا توجد عظة في تاريخ العالم وتاريخ المسلمين اللذان يعجان بالأمثلة الخاطئة الواضحة ففي التاريخ الإسلامي فقدنا الرشد بوقت مبكر، ثم بدأت محاولات استعادته، بالأساليب الخاطئة،بدءا من بني أمية وانتهاءً بالحكومات الجبرية المعاصرة، ورغم كل الأثمان التي بذلناها لم نتمكن من صناعة مجتمع الرشد، لأننا لم نسلك السبل الشرعية الموصلة وآخر هذه التجارب كانت تحالف البشير مع الترابي، فيما سمي زورا بثورة الانقاذ، الحكم الشرعي سبيله تغيير العقول والقلوب بالبلاغ المبين، ونموذجه الساطع تجربة محمد صلى الله عليه وسلم، ونشيده العذب الطافح بالبشر والترحاب طلع البدر علينا، فأرجو أخي الكريم أن لا نتيه في الكلمات وأن نضيع العروة الوثقى التي لا انفصام لنا . 24) هل هناك آيات أخرى ترى وقف العمل بها لبعد إقامة الأمة الراشدة ؟ ج – أرجوك يا أخي الكريم نحن لا ندعوا لوقف العمل بالآيات، إنما نلفت الأنظار أن القرآن كله قد توقف العمل به منذ وقت طويل، وما هو قيد العمل منه الآن ممسوخ ومشوه ومزور، بحيث أنه فقد روحه، وأصبح لا يخدم مقاصد القرآن الحقيقية، بل أصبح ورقة يتلاعب بها فئتان من الناس: السلاطين وفقهاؤهم، لذلك أصبح الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا نور فيه يضيء حياة حامليه، وأصبح الكتاب الذي يورث حامله العزة، ترى حملته يطوفون بأبواب السلاطين عليهم (غبرة ترهقهم قترة) (إلا من رحم ربك وقليل ماهم)، والكتاب الذي أنزل لتحرير الإنسان وإطلاق عقله صار وصفة لاستعباده واستلاب عقله،والكتاب الذي أنزل لأقامة العقل صار وسيلة لتبرير المظالم والانتهاكات. 25) (فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) الواقع يقول لنا أن (الزبد) يمكن أن يعيش طويلاً . خلال رحلتك الفكرية في الواقع والتاريخ والقرآن ألم تلتقي بقانون يمكّننا أن نجعل (الزبد) سريع الجفاء , و(النافع) سريع البروز والظهور ؟ ج – الباطل يعيش طويلا بالنسبة لعمر الإنسان العادي(عشات السنين)، لكنه ليس كذلك بالنسبة لأعمار الأمم والحضارات(آلاف السنين)، فما بالك بالنسبة لتاريخ الإنسان(ملايين السنين) وعمر الأرض بل عمر الكون(مليارات السنين)؟ ولكنكم تستعجلون كلمة قالها محمد(ص) لبعض أصحابه الذي استبطؤا النصر ، وجماع القول إن الذي يفقه آيات الله في الكون ويعلم تاريخ الإنسان، يعلم أيضا أن الزبد لا يمكث طويلا، وكذلك فإن الذي يصدق بآيات الكتاب يؤمن أن الزبد لا يمكث طويلا ، وكلاهما يعلم أن الذي يطيل في عمر الزبد هو تبلدنا، وعدم استفادتنا من آيات الله في الكون والكتاب (وكأي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون). 26) ما معايير التمييز بين الزبد والنافع , بحيث لا يختلط الأمر علينا , فنظن كما ظن بعض المسلمون الأوائل , أنّ الخلافة الراشدة زبد , والحكم الوراثي نافع ؟ ج – أعتقد أن السؤال عن التمييز بين الحق والباطل، والنص القرآني واضح في أن الفرق بينهما، هو في النفع (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ويشترط للنفع حتى يكون نفعا قرآنيا، شرطان هما العمومية، بحيث يصل النفع إلى أكبر قطاع ممكن من البشر، والدوام أي أن يبقى عند الناس أطول فترة ممكنة، والذي يحكم عليه بالزوال ظهور ما هو أنفع، فمناط القدسية بحسب ما نفهم من القرآن، هو النفع بشرطيه السالفين، ولذلك نقرأ في كتاب الله (والله خير وأبقى) و(ما عندالله خير وأبقى) و(الآخرة خير وأبقى). 27) تقول :(البشر يتحركون بين (انظروا) و (انتظروا) يتحركون بين وقائع قد حدثت , وأحداث تتهيأ للظهور , والاعتبار الذي يلح الله عليه يكون للعبور من الذي حدث والتهيؤ للذي سيحدث )(أبحاث في الوحدة الإسلامية ص 66) . جزء من الذي سيحدث في (إني أعلم ما لا تعلمون) قد ظهر مبكراً بتعليمه سبحانه و تعالى لآدم الأسماء (قال يآدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) . فهل من أحداث ووقائع جديدة من (إني أعلم ما لا تعلمون) ظهرت , أو تتهيأ للظهور ؟ ج – إن هذا السؤال بصيغته الحاضرة يثير - كما يقول محمد أركون - كل مشاكل الانتقال من العصور الوسطى للعصور الحديثة على مستوى الفكر، وحتى لا ندخل فيما يطيل البحث، أقول إن الذي يعيش العالم، ويرقب ما يحدث ما فيه من تطورات، يعلم أن كل دقيقة تحمل مولودا جديدا، وخلقا جديدا، لكن غيابنا عن العالم، يحول بيننا وبين أن ندرك ما يحدث في العالم ويجد فيه، وكثيرا ما يردد الأستاذ جودت أن الاتحاد الأوروبي آية(أي مولود جديد) وسقوط روسيا آية وسقوط العراق آية، وفسشل غزو لبنان الأخير آية، وعجز العرب ومن خلفهم المسلمين وهوانهم آية ناطقة صادحة، أنهم ليسوا على شئ. 28) قال تعالى:(أفمن زيّن له سوء عمله فرءاه حسناً فأنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء)(فاطر:8) وقال أيضاً :(كذلك زيّنا لكل أمة عملهم ) وأنت تقول أنّ:(الواقع المعقد هو الذي يظن فيه المرء من كل أعماقه أنه مصلح بينما هو في حقيقته ! مفسد) (أبحاث في الوحدة الإسلامية ص 71)كيف سنعلم أنّ عملنا حسن , ولم يزيّن لنا فرأيناه حسناً , وأنّنا مصلحون ولسنا مفسدون دون أن نشعر؟ ج – أظن أن النصوص التي تتحدث عنها مثال بين للموقف الذاتي، وهي فرصة أن نعيد بحث الذاتي والموضوعي، فأنا كفرد مسلم أو كأمة مسلمة، يمكن أن أزعم ما أشاء وأن أظن بنفسي ما أريد لكن، الواقع يصدق ذلك أو يكذبه، والعواقب تشهد لي أو تشهد علي، والقرآن يعطينا أمثلة ونماذج م البشر فيمن كان قبلنا، كانت لهم ظنونهم وتصوراتهم عن أنفسهم وعن العالم وعن الله والله سبحانه لفت أنظارهم إلى موضع الشاهد على حالهم ومآلهم، وأخبرهم أن كل ادعاء يجب أن يقوم له شاهد يعضده وإلا فهو ليس بشيئ ، فالذين زعموا بنظرتهم الذاتية أنهم أبناء الله وأحبابه، كذب الله ادعاءهم فقال لهم (قل فلم يعذبكم بذنوبكم إن كنتم صادقين)، أي إن واقعكم المؤلم المريض المعذب يكذب ادعاءكم بنوة الله ومحبته، وآية سورة الكهف، تتحدث عن فريق من الناس، تعميهم ادعاءاتهم وتصوراتهم عن رؤية واقعهم المرير في الحياة الدنيا، وهو ماثل أمامهم يعلن حقيقتهم التي تكذب دعواهم، وهذا الفريق من الناس يسميهم القرآن الأخسرين أعمالا(ليس الخاسرين) وذلك لأنهم لم يستفيدوا مما خلق الله لهم من حواس وعقول في تبين واقعهم المؤلم المرير، والعمل على التخلص منه (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ، إن مجرد الظن والاعتقاد لا يكفي دليلا على أنكم على شئ، بل إن أعمالكم تفضح ادعاءاتكم مهما كانت عريضة، وإن الزعم والظن لا سلطان لهما على الواقع. فعندما تكونوا في الدنيا خزايا مبهدلين وأنتم تبلغون مليارا ونيف المليار من البشر، عرايا جوعى وأنتم تملكون أكثر مما تملكه الكثير من الأمم، فأي دليل أكبر من هذا على أنكم لستم على شيئ وأنكم تجهلون الكون والتاريخ والإنسان والقرآن، وتظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وأنتم في معاناتكم وآلامكم، إنما تحصدون ثمار هذا الزرع السئ الذي زرعتم يقول تعالى.(ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم منا الخاسرين). 29) تقول:(إنّ أمام العالم الإسلامي أن يتعامل مع الله , لا على أساس الخوارق والمعجزات التي فات أوانها , وأنما على أساس السنن التي تحكم الآفاق والأنفس , الكون والبشر )(أبحاث في الوحدة الإسلامية ص 67) هل لك أن تذكر لنا ما تعلم من هذه السنن ؟ ج – إذا كانت غاية السؤال الإنكار فأنا أؤمن بها لأن الله قال في كتابه أن خلقه يخضع لسنن لا تتغير ولا تتبدل، وإذا كان مراد السؤال الاستفهام فإن الإجابة فوق وسعي وطاقتي، لأنك تسأل عن كل ما عرف البشر من سنن في الخلق، ويمكن أن نذكر على سبيل الإجمال، سنن النبات والزراعة الحديثة، وقوانين الوراثة في النبات والحيون، وقوانين الصحة والمرض والعلاج، والقوانين تضبط فيزياء وكيمياء الكائن الحي والجمادات، وقوانين السوائل والمعادن وقوانين الميكانيكا وحركة الإجسام، والقوانين التي تضبط حركة النجوم والأفلاك، فأنت تسأل عن كلمات الله التي لو كان البحر مدادا لها، لنفد االبحر قبل أن تنفد كلمات الله. 30) هناك الإجماع , وهناك الآبائية , كيف نتّبع الإجماع دون أن نقع في شرك الآبائية ؟ ج – ما تسميه اجماع بحسب علمي خرافة، وهو مقولة آبائية، ليست محل اجماع حتى بين الآباء، وهناك من الآباء من ينكر حدوثه زمانيا ومكانيا، فدعوى الاجماع في تصوري ليست إلا شيئا من تراث بعض الآبا، ولا أعتقد أن عاقلا يسلم بوجود اجماع خالد عبر الزمان والمكان، فلو صح أن هناك إجماع فهو تموضع، أي مرتبط بمكان، وهو مستهلك أي مرتبط بزمان، وهو مشروط بالقضية محل الإجماع في حدودها الزمكانية، وحديث لا تجتمع أمتي على ضلالة إن صح فهو بحاجة إلى تأويل فمحمد (ص) ليس أبا بيولوجيا للمسلمين، فأمته ليست نسبا ولا وراثة، وإنما أمته من يأتمون به ويتبعون أسلوبه في النظر إلى الوقائع ومواجهة الأحداث والتعامل مع السنن. 31) إذا ألتبس الإجماع بالآبائية في موقف ما , فهل تفضل تجنب الآبائية , أم اتباع الإجماع ؟ ج- أعتقد أن هذا السؤال قد تمت الإجابة عليه في الإجابة السابقة. 32) تقول : أننا نحتاج إلى علمين , علم تغيير ما بالنفس , وعلم آخر نميّز به ما ينبغي أن نغيّره مما ينبغي أن نبقيه (حتى يغيروا ما بأنفسهم ص 151) . ما رأيك أن تعطينا الآن قائمة بالأمور التي علينا تغييرها من أنفسنا, وقائمة بالأمور التي علينا تثبيتها فيها . ج – أصدقك القول أني لا أستسيغ هذا السؤال، وعلى كل إذا أردت أن تتحدث عما ينبغي تغييره؟ فإني اعتقد أن القائمة يمكن أن تبدأ ويصعب أن تنتهي، والذي يخطر لي كيف نجعل أمة يتحدث كتابها الذي تقدس عن العزة والكرامة، وهي تعيش بلاكرامة ضربت عليها الذلة والمسكنة، كيف يمكن أن نجعلها تعيش في أفق كتابها، كيف نجعل أمة يتحدث كتابها عن التعاون على البروالتقوى ويفشلون في أي نوع من التعاون التقي على كل مستوى، كيف نمكن أمة ربها واحد ورسولها واحد وقبلتها واحدة من التوحد، كيف نحرر المسلم الذي يؤمن بالله من الطواف حول الوثن، كيف نمكن المسلم من معرفة الحق والعمل به، كيف نحول مجتمعا ينوء بالفقر والجهل ويعيش على الكذب والتفاق ، إلى مجتمع يعرف معنى الله فيتعلم الصدق ويتحرر من النفاق، ويصبح أهله من عباد الرحمن كما وصفهم الله بدل أن يبقوا في عبودية الشيطان، حيث التظالم والتناهب والتمايز والاستعلاء . كيف نحول المسلم الذي دينه الإسلام ورسوله السلام إلى مصدر أمن ورحمة للعالم بدل أن يكون مصدر تهديد وقلق. 33) يقول الله تعالى ( وذلك أنّ الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ما الذي غيره المسلمين بأنفسهم - برأيك – حتى أزال الله عز وجل عنهم خلافتهم الراشدة ؟ ج – أعتقد أن تحديد ما غيروا بدقة ربما يكون موضوع خلاف لكن الذي أؤمن به أن الله لم ينزل بهم هذا القدر من الهوان لأنهم غيروا أشياء صغيرة (قصروا في صلاة الجماعة أو لباس المرأة، أو طول اللحية أو عدد النوافل)، لأن الله سبحانه وعدنا ووعده الحق أنه لا يؤاخذ ولا يأخذ بالصغائر يقول تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما)، فلا بد أن تكون المخالفات التي ارتكبها المسلمون، والتحريفات التي أدخلوها على دين الله في حياتهم، على مستوى كبير من الفظاعة حتى حلّ بهم ما حلّ، بحيث لم يعد يغني عنهم صومهم ولا صلاتهم، ولا زكاتهم، وأصبح دعاؤهم في ضلال، وضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا، فلا عز ولا كرامة لهم حتى في ديارهم، وأنا لا أعلم ذنبا يحبط الأعمل بهذه الطريقة إلا الشرك، لأن الله يقول (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبط عملك ولتكونن من الخاسرين)، ولكن كيف نكون كذلك ونحن نؤمن أن الله واحد، ونذكره في الغدو والآصال، فلا شك إذن أننا نجهل معنى الشرك! وبالتالي نجهل معنى الإيمان، فما هو معنى الشرك؟ وهل هو معنى لاهوتي عقائدي أم هو معنى اجتماعي سياسي، إن آية سورة النحل التي تلخص روح الرسالات جميعا تقول(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، تبين بوضوح أن معنى عبادة الله له مكافئ أرضي اجتماعي سياسي، وهو التحرر من سحر القوة وهيمنتها،(يمكن بمتابعة النصوص القرآنية الاهتداء إلى المعنى القرآني للطاغوت والذي يعني حكم القوة) والمشرك هو من يقدس القوة ويستسلم لها، فيذل أمامها ويخزى، إن أطول قصص النبيين في القرآن نموذج لمواجهة الطغيان والتمرد على القوة وهدفها واضح منذ الحظة الإولى (إذهب إلى فرعون إنه طغى) وفي سورة أخرى يشرح معنى طغى (إن فرعون طغى في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة (معارضيه) منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين)، و عليه يمكن أن نفهم الإيمان بأنه موقف ضد القوة وشريعة الغاب وما تنتجه من ظلم وتمييز بين البشر على أساس الولاء والمحسوبيات، وما يصاحبها من تنكر للعقل الذي هو ميزة الإنسان وهو نفخة روح الله في، ولنا في بلال ومعركته التي خاضها بكل الصبر والجلد نعم المثل، فقد كان يسعه ما يسع مسلم اليوم أن يغمض عينه عن المآسي والآلام (ويدبر رأسه ويمشي أموره) ويحتج بأنه أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، حتى تجد أمة يفوق تعدادها المليار، وكلها تعيش تحت سيف الإكراه، لا يشذ إلا الخوارج، بينما أصحاب محمد كانوا جميعا في المواجهة ولم يكن بينهم خارجي، ولم يسقط ضحية الإكراه إلا واحد، وكان تعدادهم دون المئتين، وهم قليل مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس كما وصف القرآن، لكن كفرهم بالقوة وإيمانهم بالله جعلهم يقيسون الأمور بمقاييس مختلفة جرأتهم على المواجهة، ومكنتهم من الصمود، لقد حيدوا القوة من طرف واحد، وصبروا على ذلك حتى ثبت تصدع القوة أمام عقل الإنسان وإيمانه وصبره. 34) يقول الدكتور البوطي : أنّ الله سبحانه وتعالى قال :(حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ما قال حتى يغيروا ما بعقولهم , الأستاذ جودت استطرد , وأوضح لنا أمثلة تتعلق بتغيير الفكر ليصل من خلال ذلك إلى الموضوع الذي هو تغيير النفوس , ليس المراد من الآية أن أتحول من جهل إلى علم , كثيرون هم الذين علموا وضلوا بعلومهم , والله هو القائل :(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) (النمل:14) (التغيير: مفهومه وطرائقه ص 75) . أتعترف بأنك خلطت بين مفهوم النفس والعقل ؟ ج – ما زلنا في العالم الإسلامي ضحايا لعبة اللغة، دعنا من العقل والنفس والنص، إذا أردنا أن نغير سلوك إنسان ماذا نفعل؟ إذا أردنا أن نعلم الأخ المكرم مسعود السلوك الصحي الذي يجنبه المرض ماذا نفعل، ألا نقدم له المعلومات والمعارف، وهذه المعلومات والمعارف ما هو مستقرها ومستودعها في جسمه؟ أنا أقول العقل وأنت تقول النفس لا حرج، ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقولون،و فيصل الموضوع أننا إذا أردنا أن نغير واقعنا نحتاج لمعارف وعلوم، والله أرسل لهداية عباده رسلا مبشرين ومنذرين وأنزل معهم كتبا، وأمرهم بتدبرها، ولم يعلمهم أن تزكية النفس بأن نجلس ونفمض عيوننا ونذكر الله الله، كما يشيع بين المتصوفة، فالتغيير يستوجب علما ومعرفة تؤخذ من الكون أو الكتاب وأداة التعامل معهما هي العقل كما يسلم بذلك جميع العقلاء، الأمر المهم الآخر أننا يجب أن نتوقف عن تناول النصوص بهذه الطريقة التي تقطعها عن العقل والعلم والتاريخ والواقع، إذا كان كثيرون هم الذي أضلهم الله على علم، فما معنى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ما معنى أن يبدأ الكتاب با الأمر الإلهي (إقرأ) ما معنى قول الحق (إنما يخشى الله من عباده العلماء)؟ و(ويرى الذين أوتوا العلم الذ أنزل إليك من ربك هو الحق..)؟، لماذا أجمع المسلمون على أن ما قبل الإسلام تاريخيا هو الجاهلية؟ ما معنى قول الحق (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) إلى آخر ما هناك من النصوص، وحتى لا نتيه في حرب النصوص دعنا نعيد الأمر إلى نصابه، هناك فئة قليلة ممن يحملون علما لا يستفيدون منه، كما هو حال الكثيرين من (علماء) العالم الإسلامي، وهذا بتصوري له سببان: 1 – إما أن ما يحمله هؤلاء ليس علما حقيقيا، إنما مواريث الآباء التي يظنها علما منجيا فهي تصدهم عن العلم المنجي، وتحول بينهم وبين الاتصال به، وهذا الفريق كان عقبة في طريق كل النبوات. 2 – أو أنه يحمل علما حقيقيا، ولكنه يقيم معه علاقة خاطئة،(كمثل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاويين) أو كمثل (الذي حملوا التوراة ثم لم يحملوها). وكخلاصة نقول إن العلم عند الله وعند عباده هو المنقذ والمنجي في الدنيا والآخرة مع تحفظنا على أن تعريف العلم هو ما ينفع الناس جميعا بشكل دائم، حتى يأتي ما هو أنفع منه، وأنه كاف لهداية معظم الناس، وتبقى فئة لا تقدم ولا تؤخر في حركة المجتمع وسير الحياة وهم الموصوفون في قوله تعالى(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) مثل أبي جهل وابن سلول الذي رجع يوم أحد بثلث الجيش. 35 ) - يقول الدكتور البوطي:(أريد أن انتهي إلى نقطة هامة هي : أنّ التغيّر الصاعد في نفس الإنسان لا يعني أن يطّلع الإنسان على السنن الكونية من حوله , وعلى القوانين المادية التي تتراءى من أطرافه كي يتعرف عليها فيخضع لها ويتفاعل معها , لا , ليس هذا المراد بتغيّر الأنفس , إذ لو كان هذا هو المراد لكان سير الأنفس تابعاً لسير المادة ),( إن فسرنا التغيير بهذا المعنى , فهذا يعني أنّ المحور الذي تدور عليه حياة الإنسان هو المادة , في حين أنّ العكس هو الصحيح , المادة التي بثّ الله عز وجل فيها نظامها هي التي تتبع النفس ودخائلها),( فإذا تمّ هذا التغيّر النفسي الذي يجسد صلة العبد بالرب , فأنّ الله سبحانه وتعالى يغير السنن الكونية , يغير كثيراً من القواعد الدنيوية من أجل أن تدور هذه القواعد على قدسية هذا الشعور الإنساني الموصول بالله سبحانه وتعالى)(التغيير : مفهومه وطرائقه ص 30-31-32) إنها عكس أفكارك تماماً , هو يرى أنّ سنن الكون تتبدّل وفقاً للنفس الإنسانية , وهذا هو المقصود بسنة الله التي لن نجد لها تبديلاً , وأنت ترى أن النفس الإنسانية هي التي يجب أن تتبدّل وفقاً لسنن الكون . الإنسان عنده يصنع التاريخ عبر تزكيته لنفسه , والإنسان عندك يصنع التاريخ عبر اعتباره لسنن الكون . السنن الكونية عندك ثابتة وتسير بشكل مستقل عن الإنسان , الذي تريد منه أن يكتشفها ويخضع حياته لها , ! بينما السنن الكونية عند الدكتور البوطي متغيرة وتابعة للنفس البشرية . هل تريد أن تضيف تعليقاً على هذه المقارنة ؟ ج – والله يا أخ مسعود ما أدري ما أقول، إذا كان الله يقول أن سنته لا تتغير والدكتور البوطي يقول بل تتغير فمن نصدق؟ وإذا كان الدكتور البوطي أخطأ لما كتب فأين عقولنا نحن؟ أليس لنا عقول ونعرف اللغة العربية ونستطيع أن نعرف الفرق بين تتغير ولا تتغير!!!!!!!!!!! ثم لنفرض أن السنن تتغير – والله أنا أكتب بصعوبة وأحس بمرارة- كيف يمكن أن تتغير سنن الفيزياء والكيمياء وحركة الأجسام في الأرض والسماء ؟؟؟ لا أستطيع أن أتصور أن شابا مثلك يلتبس عليه مثل هذا الأمر، لو كانت السنن تتغير لما أمكن للإنسان أن يخطو خطوة واحدة في تاريخه ولا أن يسير آلة ولا أن يطير طائرة ولا أن يمشي على الأرض. شيئا آخر أحب أن أذكره لك، هذه القوانين التي سلخنا سنوات من عمرنا في حفظها وقراءتها، أي قيمة لها إذا كانت تتغير؟ لماذا علمونا قانون دافعة أرخميدس؟ أظن أنك تعرفه فهو يوناني عاش قبل الميلاد، وهندسة أرسطو ونظرية فيثاغورث، وقوانين نيوتن الثلاث، وقوانين دالامبير، وقانون بوط في الغازات، وقانون لافوازييه في الكيمياء والقائمة طويلة كما ترى وهي مفتوحة كما أؤمن. 35) - (كل مريض يرغب في أن يتحول إلى إنسان صحيح البدن , معافى الجسم , ولكن في المرضى كثيرين ممن لا يرغبون أن يتعاطوا الدواء المرّ) (البوطي التغيير مفهومه وطرائقه ص 26) هناك مجتمعات أيضاً لا ترغب بالدواء المر . فكما أنّه من المنطقي أن نرغم ذلك المريض على تناول ذاك الدواء المر حرصاً على شفائه وبقاء حياته , أليس من المنطقي أيضاً أن نجبر المجتمع على تناول (الرشد والديمقراطية) ضماناً لشفائه ونهوضه وازدهاره ؟ ج – يا أخ مسعود اتق الله وكفاك نقول غير معقولة ولا مقبولة لا بميزان العقل ولا بميزان النقل، وكل الذي يعطيها الشرعية، أنها صدرت عمن نقدس ونظن فيه العلم، وقد أخذناها أخذ حاطب ليل في غيبة العقل والفكر، وإلا كيف نبيح لآنفسنا أن نشبه دين الله بالدواء المرء، ونضرب الأمثال فنشبه الفرد بالمجتمع وأنت تعلم أن ما يصدق على الفرد لا يشترط أن يصدق على الجماعة، يا أخ مسعود دين الله ليس دواء مرا، بل هو هدى ورحمة ونور، والنور غاية الخلق ومطلوبهم وليس شيئا تقسرهم عليه، دين الله رحمة والرحمة أمل الناس جميعا ، دين الله هدى والهدى غاية الساعين جميعا الله يا أخ مسعود دين الله حق والحق لا يجرعه الناس بالقوة كالدواء المر، بل هو ما تقبله عقولهم وتنشرح به صدورهم وتطمئن إليه قلوبهم. هذا دين الله ياأخ مسعود، الدين الذي ماجعل علينا فيه من حرج، أنه إطلاق وتحرير(يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) فهو تحرير للناس لكن ليس رغم أنوفهم ولا ضد إرادتهم، الدين الذي ليس فيه من حرج، الدين الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ليس دواء مرا، إن الذي يحوله إلى دواء مر، إنما هو جهل الناس به(علمائه وأبنائه) جهل من يعرضونه على الناس بهذه الأساليب المتهالكة التي ما أنزل الله به من سلطان (ألا ساء ما يحكمون)، من الذي يختار الظلمة على النور، عندا يتبين له الرشد من الغي؟ لكننا ندعي أننا رسل النور، ونحن ننشر الظلمة أينما حللنا، وهذا رأس المشكل، بهذا نكون فتنة للناس بدل أن نكون سببافي هدايتهم، ونصدهم عن سبيل الله بدل أن ندعوهم إليه! 37) - يتهمك البعض بالانتقائية في اختيار آيات الآفاق و الأنفس بما يناسب أفكارك , وتتجاهل ما يناقضها , فمثلاً أنت لم تتوقف عند الحرب العالمية الثانية وتسأل نفسك ما الذي أوقف زحف النازية ؟ ولم تسأل نفسك أيضاً ما الذي أنقذ المجتمع الإسلامي الفتي من تهديدات الروم والفرس ؟ أليست القوة المسلحة هي التي أنقذت العالم من مصير نازي أليم كان ينتظره , وهي التي أنقذت أيضاً شمس الإسلام من المغيب خلف ظلمات إمبراطورية الروم والفرس , فلماذا تنظر إلى القوة المسلحة دوماً على أنها الشيطان الأكبر , لماذا لا تحاول النظر لأسنانها البيض , كما نظر المسيح عليه الصلاة والسلام إلى أسنان الجثة , بينما ركّز أصحابه على رائحتها ؟ ج – لا يمكن أن نفهم التاريخ ونحن نقف عند الحوادث المفردة، إذا أردنا أن نفهم التاريخ علينا أن نتبين اتجاهه وندرك غايته وهدفه، عندها فقط يصبح للآية التاريخية قيمة، فالحدث التاريخي المفرد ليس له قيمة إلا بقدر ما يتناغم مع اتجاه التاريخ ويخدم هدفه، ثم ما ذكرته من إنقاذ للعالم من النازية هل كانت النازية ستفعل أسوأ مما فعله الأوربيون الأمريكان على مدى الخمسين عاما الماضية، وباعتبارك كردي هل كان هتلرسيفعل بالأكراد مثلا، أسوأ مما يفعله إخوانهم في الدين، حيث يحرمونهم من الجنسية في مكان، ويضطهدونهم في مكان، ويقصفونهم بالكيماوي في مكان، ثم أي إنقاذ بالقوة حدث في العالم الإسلامي، (القوة ليست منقذا) عنوان أحد فصول كتاب فيلسوف التاريخ تونبي، حرب وحضارة، كل الذين ركبوا على الرقاب في الماضي والحاضر أتوا كمنقذين حتى هتلر الذي تذكره وعندما توطن له الأمر تحولوا لفراعنة مستبدبن، ولو كانت القوة منقذا، لما أرسل الله معلما وكتاب، بل لأرسل جنرالا وجيوش ومدرعات وقاذفات صواريخ ومدفعية، أرجو أن نستيقظ يا أخ مسعود، لو كان هناك إجماع في العالم على أهمية القوة لكان على المسلمين أن يكسروا هذا الإجماع لأسباب تكتيكية لأن كل وسائل القوة يتم تصنيعها خارج العالم الإسلامي، لو كانت القوة من العقائد الإسلامية لجاز أن نتخلى عنها مرحليا للأسباب التي قدمت، باعتبار الضرورات تبح المحظورات، وحتى تؤمن أن القوة أسطورة وخرافة يضحك علينا بها صناعها لأغرائنا بشرائها بلقمة عيش أطفالنا وثمن الكتاب المدرسي وثوب العيد، أحب أن نتفكر معا فيما يلي، إذا كانت القوة تنقذ لماذا لم تنقذ روسيا التي تملك من السلاح ما يدمر الكرة الأرضية ثلاثين مرة، وكيف أصبحت اليابان قوة عظمى من غير أسلحة نووية، وماذا أغنت قنبلة باكستان عنها في حرب الأفغان الأخيرة وكيف تخلى من يملك القنبلة النووية عن حلفائه(الطالبان) وتركهم لقمة سائغة للإمريكان، بل قدم لهم الدعم اللوجستي مقابل أن يحافظوا على خرافته النووية. 38) (وسعت رحمة ربّك كل شيء), هل رحمة الله هي استثناء للسنن, أم تعتقد أنّها سنة كبقية السنن ؟! ج – رحمة الله من السنن، وهي أيضا لها سنن، وهناك أعمال تقرب منها وأخرى تبعد عنها، فهي ليست مثل يوم سعد ونحس النابغة الذبياني، ولا مثل يانصيب دمشق الدولي، ولذلك قال الله (إن رحمتي قريب من المحسنين) وقال (ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون....) 39) - أيهما برأيك هو الأنسب للعالم الإسلامي , علم تغيير ما بالأنفس , أم علم تأسيس ما بالأنفس ؟ ج – أرجو أن تعذرني يا أخ مسعود فقد ضاق صدري من اللعب بالكلمات، ما هو التغيير وما هو التأسيس؟ أن نغير يعني أن نعيد التأسيس أي أن نضع قواعد ومنطلقات جديدة للحركة والحياة، أي أن هناك بنية مفاهيمية تاريخية راكدة تجعل إقامة علاقة صحيحة بين المسلم والقرآن والعالم المعاصر صعبة إن لم تكن مستحيلة، ونحن يجب ان نتخلص من هذه البنية المفاهيمية، ونستبدلها ببنية مفاهيمية جديدة، تستند إلى تصور عن الله والكون والإنسان مختلف وجديد، يعتمد على فهم جديد لآيات الكتاب يتكيئ بدوره على معرفة دقيقة بآيات الكون . 40) ترى أنّ: (مشكلة العالم الإسلامي هي أنّ النظريات لم تستقم بعد )(التغيير : مفهوم وطرائقه ص57) هل تؤمن بوجود نظريات مستقيمة طالما أنّك تقول : (ليس هناك حقائق حقيقية في حياة الإنسان) و أنّ ( كلنا حقائق نسبية, فما يكون حقيقة في يوم من الأيام بالنسبة للناس يتجاوزه التاريخ ويصير شيئاً آخر )(مفهوم التغيير ص 94) ؟ ج – إعتقد أن الأستاذ يقصد أننا في العالم الإسلامي لم ندخل العصر الجديد الذي دخله الناس بعد، ولم نتعلم بعد لغته التي تعطي للآية الآفاقية قيمة تفوق كل قيمة، ولذلك نحن نأخذ منه نتفا ونسير في طريقه خطوات محدودة ثم نتوقف، فنحن نقول ونعلن ونرفع شعار- مثلا - أن الإسلام دين العقل، ثم وفي منتصف الطريق ننكص ونكفر بالعقل والتعقل، عندما يتجرأ العقل وينكر أو يخطر له أن يتفحص مسلمات الآباء ومقدساتهم، كذلك فنحن أصحاب دعوى عريضة أن الإسلام دين العلم، لككنا لا نستطيع السير في هذا الإتجاه "إلى نهايته، بل سرعان ما يصبح العلم أعورا دجالا ،عندما يخالف موروثاتنا الثقافية، وما وجدنا عليه آباءنا. 41) تقول :(ما هو عدل في يوم ما , قد لا يكون عدلاً في زمان آخر)(ندوة عرطوز3/8/2006) هل لك أن تستشهد على ذلك من الواقع؟ ج – نعم يا أخ مسعود والأمثلة كثيرة بقدر ما نعرف من تارخ الإنسان، لقد كان الرق عدلا في يوم من الأيام، والقرآن تعامل معه كحقيقة تاريخية، لكنه لم يعد كذلك اليوم، وبقايا حالات الرق الموجودة في موريتانيا وأجزاء من إفريقيا، تطاردها المنظمات الدولية، وأصحابها ينكرونها ويتنكرون لها، وقد كانفيما سبق من التاريخ من حق الفاتحين الاستيلاء على أموال وأزواج وأولاد المحاربين المغلوبين، لكن ذلك لم يعد ممكنا الآن ولا مسموحا بهم، بل إن القونين الدولية تجعل المحتل مسؤول، عن سلامة وأمن أهل البلد المحتل، وقد كان عدلا أن يحول أسرى الحروب إلى عبيد، لكن ذلك لم يعد مقبولا اليوم ولا ممكنا، فالقوانين الدولية تضمن للأسير حقوقه وإنسانيته، وهي تمنع تعريضه للإذلال والتعذيب. 42) - تشير إلى الفرق بين إرادة الله الكونية وإرادة الله الشرعية (فإرادة الله الكونية هي سننه , ومنها أنّ من يلمس النار سيحترق , وبهذه السنة كل الناس يحترقون , ولكن سنته الشرعية أنّه يأمرنا بألا نمد أيدينا إلى النار , فإذا مددنا أ! يدينا طبقت علينا السنّة الكونية ) لكن النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام دخل النار ولم يحترق , ما تفسيرك للحادث ؟ ج – كان محمد إقبال يقول (إن الإسلام من العالم القديم بحسب مصدر رسالته وهو من العالم الجديد باعتبار الروح التي انطوت عليها)، ولذلك فهو يعتبر أن مولد الإسلام هو مولد العقل الإستدلالي، وحتى نوضح هذا الكلام أقول أن الإسلام استمرار للرسالات السابقة من ناحية اتصال الأرض بالسماء عن طريق الوحي بالصورة التي كانت معروفة سابقا لكن النقلة الكبيرة التي قصد الحق عبر القرآن أن يرفع عباده إليها، هي تدشين عالم جديد تؤسسه الآية الأفاقية وليس الخارقة، والقرآن يضرب لذلك نموذج السؤال عن الخلق الإنساني، ففي المرة الأولى تعرض السائل للموت والحياة بنفسه فكان هو موضوع التجربة(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه،...........) وفي المرة الثانية شاهد المتساءل عملية الإماتة والإحياء أمام ناظريه(وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أدعهن ..........) وفي الثالثة، لم تتم تجربة الإحياء والإماتة على أي مستوى فلا المتسائل أميت وبعث، ولا أميتت أمامه أحياء ثم بعثت، بل كان الجواب منطقيا عقليا، فالذي طحن العظام ووضعها أما محمد وقال له أنى يحي هذه الله بعد موتها أجابه الله ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه،قال من يحي العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أو مرة وهو بكل خلق عليم ). فبولادة الإسلام دخل الإنسان عصر العلم وودع عصر الخوارق لكن كثير من الناس بقوا أسرى الخارقة، والععصر القديم، رغم وضوح القرآن في ذلك (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه أو لم يكفهن أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم)، وكذلك قوله (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون.. ). وتفسيري لهذا الحادث أنه لا يجوز أن يدخل النار أحد أبدا بعد إبراهيم وانتهت. 43) قلت في إحدى ندواتك أنّ:(مشكلة المسلمين سياسية وأرضية) (ندوة عرطوز/الخميس/1/6/2006) وهل هناك من يضع المشكلة في سياق آخر غير ذلك؟ ج - أعتقد أن السياق العام لبحث المشكلة في العالم الإسلامي يضعها في سياق ميتا فيزيقي غيبي، ولذلك نقول أن مشكلة المسلمين ليست عند الله في السماء بل بين أيديكم في الأرض، وهي تنتظركم مقاربتكم لها مقاربة صحيحة، وتنتظر خطوتكم الأولى ليبدأ التغيير والتحرير الحقيقي. 44) تقول إنّ العقل هو التاريخ , والتاريخ عندك هو عاقبة الأمور التي حدثت في الماضي , لكن ماذا سنسمي أحداثاًً لم تقع في التاريخ , وأنّما تتهيأ للظهور لأول مرة آتية من المستقبل , و كيف سيواجه عقلنا التاريخي أحداثاً وأفكاراً ليس لها شبيه في رصيده التاريخي ؟ ج - المقصود بمقولة العقل هو التاريخ، أنك تملك من عقل بمقدار ما تعرف من تجارب وخبرات، وبمقدار ما تدرك من سنن، وتعرف من عواقب، والذي يفهم سنة الله في الخلق، ويدرك أن هذا الكون محكوم بالسنن التي لا تتغير، تتشكل لديه ملكة تمكنه من التعامل الصحيح مع كل مشكل طارئ، مثل الطالب الذي يفهم قوانين الرياضيات فهو لا يشترط أن يحل كل مسألة، وإنما يشترط أن يفهم القانون، وبعد ذلك كلما عرضت له مسألة واجهها بنفس الأسلوب، وهذا الذي قال عنه الإمام مالك ليس العلم بكثرة حفظ المسائل، ولكنه نور يقذفه الله في القلب، وهذا الذي سميناه ملكة، وهو ما عبر عنه القرآن بمصطلح (الراسوخون في العلم) فالراسخون في العلم هم من يواجهون ما يجهلون بنفس الروح التي واجهوا بها ما يعلمون لأنهم يفهمون السنة ويعرفون القانون(كل من عند ربنا) من ناحية خضوعه للقانون وانضباطه بالسنة. 45) بشأن فعالية الإنسان وعدم فعاليته , يرى البعض أنه:( يمكن أن يكون الإنسان فعالاً من غير الدين , ولكنها فعالية غير حضارية ) أتتفق مع هذا الرأي؟ ج – أنا أكثر ميلا للاعتقاد أن الدين هو الأصل الذي قامت عليه كل حضارة، بغض النظر عن كون هذا الدين نزل من السماء، أم نبت من الأرض، وأنا أقصد بالدين كل فكرة أو عقيدة يقدسها الإنسان، ولديه الاستعداد للتضحية في سبيلها، فالإنسان لا يمكن أن يتحرك ويفعل دون فكرة، فالفكرة هي العامل المطلق لكل حضارة فيما أتصور، وأنا لا أعتقد أن مقابلة الدين بالحضارة كلغة وكمضمون، مقابلة مقبولة أو ممكنة. فالدين كما أسلفت هو العامل المطلق للحضارة ولا تخلو حضارة من فكرة مقدسة. 46) ماذا عن الفعالية الأوربية , أليست فعالية حضارية رغم أنها غير دينية؟ ج – أعتقد أنك تريد أن تقول أن الحضارة الغربية لا تنطوي على مضمون أخلاقي، وهذا في فيما أعتقد تصور مبني على تحديد الأخلاق باعتبارها لباس المرأة أو حجابها وبما أن نساء الأوربيين سوافر فحضارتهم غير أخلاقية، وإذا كان فهمي صحيحا فإن مثل هذا التصور الذي يشيع في العالم الإسلامي ينطوي، على جهل بمعنى الدين والأخلاق والحضارة، هم الذين لديهم عدالة فيما بينهم، وهذا أخلاق، وهم الذي لديهم قدرة على التعاون وهذا أخلاق، وهم القادرين على الالتزام بالمواصفات والمقاييس لمنتجاتهم وهذا أخلاق، وهم الذين رسخوا الديمقراطية في العالم وهذا أخلاق، وهم أول من أسس اتحاد على أساس فوق عرقي برضا الحكام والشعوب لأول مرة في تاريخ البشر وهذا لايكون بغير الأخلاق، وإن كنا لا نعتقد أنهم وصلوا الكمال وبلغوا غاية المنتهى. 47) كتب مالك بن نبي:(فالفكرة الإسلامية لكي تقارع الأفكار الفعالة للمجتمعات المتحركة في القرن العشرين عليها أن تستعيد فعاليتها الخاصة , أي أن تأخذ مكانها من جديد وسط الأفكار التي تصنع التاريخ )(مشكلة الأفكار في العالم الإنساني , ص 110) هـل ترى من شــروط معـيـنـة لإعــادة الـفـعـالـيــة لـ (الفكرة الإسلامية) بحيث تكون قادرة على سحب المجتمع الإسلامي لدائرة الحياة , لا أن يسحبها المجتمع لدائرة الموت ؟ ج – أعتقد أننا يجب أن نجري تمييزا بين الفكرة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، فالفكرة الإسلامية كما أتصور فعالة، بدليل قدرتها على كسب الأتباع الجدد والتمدد والانتشار في طول العالم وعرضه، بينما مشكلة عدم الفعالية هي مرض المجتمع الإسلامي، بدليل عدم قدرته على التقدم في طريق مواجهة مشكلاته على كافة المستويات من التحرر والتوحد والتقدم و التنمية والحكم والسياسة والاقتصاد إلى الرياضة والفن والموسيقا، وإذا أردنا أن نتحدث عن إعادة الفعالية لهذا المجتمع فالأمر يتعلق بالفكرة المطلقة- كما قدمنا- والتي تمثل دور الشرارة في التفاعل الكيميائي على حد تشبيه مالك بن نبي، وأنا وإياك نؤمن أن الفكرة الإسلامية فكرة صالحة وقادرة، على تحريك المجتمع المسلم وتفعيله، وتبقى المسألة في إقامة علاقة صحيحة بين المجتمع المسلم والفكرة الإسلامية، وهذا ما نجتهد نحن وغيرنا في العمل من أجله. 48) هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين فعالية (الفكرة الإسلامية) وطريقة قراءة القرآن ومنهج التعامل معه ؟ ج – بما أن القرآن هو مصدر ومرجع الفكرة الإسلامية، فلاشك أن طريقة تعاملنا مع القرآن، وكيفية قراءتنا وتفسيرنا له، ستحدد أي نوع من الفكر سنخرج من القرآن، فإذا كنا سنقرؤه بعيون الموتى، ونفهمه بعقولهم، فلن يخرج منه إلا الأفكار الميتة، التي لاتحرك مجتمعا، ولا تؤسس لحضارة، وعندما نتمكن من قراءته بروح العصر وعلومه ونفهمه بعقولنا فسوف تنتج منه الأفكار الحية القادرة على إحياء الأمة، وسقاية نسغها بماء الحياة، لتبدأ في أنتاج حضارة جديدة تليق بماضيها وتناسب رسالاتها وتصدق ادعاءات أبنائها. 49) فكرة إسرائيل فكرة باطلة وهي فعالة , وفكرة الإسلام فكرة حقّة وهي غير فعالة , لماذا , ما هي الأسباب؟ ج – أولا إسرائيل ليست فكرة، بل دولة قامت على فكرة، وحسبما أتصور فإن أسرائيل ولدت واستطاعت العيش إلى اليوم، بسبب الغيبوبة التي يعيش فيها العالم العربي والإسلامي، ومع ذلك فنحن ما زلنا نشهد تراجعها وانحسارها منذ عام 1982، حيث بلغت الدولة الصهيونية اقصى اتساع لها بامتدادها حتى بيروت، لكنها ما زالت تنحسر وتتراجع، حتى يومنا هذا، ومثلما انسحبت من لبنان من طرف واحد ودون شروط، انسحبت بنفس الطريقة من القطاع، وستنسحب من الضفة، وهي مع ذلك تعيش قلق المصير، وتشعر بالتهديد الذي دفعها لبناء الجدار، ويدفعها كل يوم لارتكاب المزيد من الجرائم، التي ستقصر عمرها بدورها، وفيما أتصور فإن الدولة الصهيونية لن تعمر طويلا لتبلغ القرن، أما عن فعالية الفكرة الإسلامية فقد سبقت الإشارة إلى ذلك. 50) كان مالك بن نبي يرى أنّ الحضارة لا تتم باستيراد الأفكار والأشياء من حضارات أخرى , أتوافقه الرأي ؟ ج – الذي أعرفه وأذكره، أن مالكاً يقول أن بناء الحضارة لا يتم باستيراد أشيائها ومنتجاتها، أما عن الأفكار فلا أظن أنه يقصد ما ذهبت إليه، إنه يتحدث فيما أعتقد، عن محاولة استبات بعض الأفكار التي تنتمي لحضارة ما، فيما هي تضاد روح الحضارة التي نحاول استباتها في تربتها، وهي التي سماها بالأفكار الميتة، أما عندما يتم النقل الواعي لخصوصيته، ولطبيعة حضارته والحضارة التي ينقل منها، فإن هذا الأمر فيما أتصور، لا توجد حضارة تمكنت من الاستغناء عنه فعبر التاريخ تبادلت الحضارات المواقف والمواقع بين الإعارة والإستعارة، وعلى هذا الأساس تم استيراد التراث اليوناني، ونقل الأوربيون عن الحضارة الإسلامية، خاصة الأفكار التي تتعلق بالأمور التقنية الإجرائية. 51) كيف سنوفق بين (أطلب العلم ولو كان في الصين ) و(الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها ألتقطها) وبين أفكار مالك بن نبي حول لا شرعية استيراد الأفكار والأشياء؟ ج – أقول أن الفيصل في هذا الأمر يتوقف على أمرين : الأول هو الناقل من حيث نضجه ووعيه ومعرفته بروح الحضارة التي ينتمي إليها، وما يناسبها، ودرجة توافقها مع الفكرة التي ينوي استنباتها في تربتها. الأمر الثاني هو طبيعة المنقول من حيث قيمته وأهميته وضرورته، ولذلك الحديث ذكر العلم وذكر الحكمة، ولم ألفاظا أخرى لأن كل علم هو ملك لكل العالم، وكل حكمة هي حاجة إنسانية، ولذلك لما نقل العرب السلمون تراث اليونان لم ينقلوا مبحث الإلهيات ونظروا له بازدراء شديد، ولما نقل الأوربيون تراث العرب لم ينقلوا دينهم وقيمهم، بل لم يكلفوا أنفسهم عناء فهمها فهما علميا موضوعيا. 52) حين قرأت مؤلفيك (لا إكراه في الدين) و(مذهب ابن آدم الأول) , وكتاب مالك بن نبي (فكرة الأفريقية الآسيوية) شعرت وكأنكما تتفاوضان مع الفكر الإسلامي من أجل وحدة عالمية للبشرية ... هل تظن أنّ العالم الإسلامي هو الوحيد الذي يقف عائقاً أمام هذه الوحدة ؟ ماذا عن أفكار الأمم الأخرى , هل هي عامل مساعد , أم عامل مانع ؟ ج – في الواقع الأمر مختلف، والموضوع لا يتعلق بكون المسلمين هم العثرة أم لا، المسألة أن المسلمين ينتمون إلى دين يعلن عالميته وإنسانيته، ومن ثم فمن أدنى واجباتهم أن يكونوا بمستوى الخطاب الذي يعلنه دينهم، أعتقد أن كل الأمم لها خرافاتها التي تقدسها، ولها خصوصياتها التي تسعى للحفاظ عليها، ولها هويتها التي تجتهد كي تبقيها متميزة، لكن ظروف العالم المعاصر لم تعد تسمح بذلك، فقد ضاق العالم بساكنيه، وأصبح التبادل ضرورة حياتية، والأمر الأكثر أهمية فيما يتعلق -بالمسلمين- هو أن صاحب الدعوة لا يجوز له أن يكون أحد العثرات في طريقها. 53) صرحت أكثر من مرة بأنك اختلفت مع مالك بن نبي بشأن تصنيفه للعلم في المرتبة الرابعة من الثقافة , هل لك أن توسع رؤيتنا لهذا الخلاف ؟ ج - أعتقد أن العلم عند الأستاذ جودت يحتل مكانة مركزية، وقد ساعده في ذلك القرآن الكريم الذي يرفع العلم مكانا عليا، وما جعل الأمر ميسورا له فيما أتصور، هو تحرره من التعريف الشرقي، والغربي للعلم، وانحيازه للتعريف القرآني للعلم، والذي يختصره القرآن فيما هو خير وأبقى، وما وضحه الأستاذ بشروطه، في كتاب اقرأ حيث اعتبر أن من شروط العلم: 1 – التسخير. 2 – التنبؤ. 3 -النفع الدائم العام(ما هو خير وأبقى)، واعتبر الأخير برهان العلوم الإجتماعية، واعتقد أن عدم تيسر مثل هذا التمييز، بين المعنى الشائع للعلم، والمعنى القرآني له، عدم تيسر ذلك لمالك فيما أتصور، هو الذي جعله يؤخر العلم في حديثه عن الثقافة، إلى المرتبة الرابعة الأمر الذي يؤاخذه عليه الأستاذ، ومصدر الخلاف فيما أتصور أن مالك لم يتمكن من التحرر من التعريف الغربي للعلم، والعلم بحسب التعريف الغربي لا يعدو المكان الذي وضعه فيه مالك. 54) هل من نقاط اختلاف أخرى بينكما ؟ ج – أعتقد أنني قد فهمت من الأستاذ، في إحدى الجلسات أن مالك بن نبي، كان يعيش هاجس الاستعمار، وأنه قد بالغ كثيرا في ذلك في كتابه الصراع الفكري، وأن الكتاب ربما وفي مبالغته، يتعارض مع المبدأ الكبير الذي عليه مدار الفلسفة القرآنية(ما أصابك من سية فمن نفسك)، ومدار فلسفة مالك في فهم التاريخ، وهو ما اصطلح على تسميته القابلية للإستعمار. 55) ما الجديد الذي أضفته لفكر مالك بن نبي ونستطيع أن ننسبه لجودت سعيد حتى لا يتهمك أحد بالآبائية ؟ ج – بحسب رؤيتي وفهمي كمتابع، وقارئ لجودت سعيد ومالك بن نبي، أعتقد أن مالك قدم الدرس النظري، وأن جودت قدم الدرس العملي التطبيقي، وأن مالك قد أشار إلى الدرب وجودت سار فيه مسافة طويلة، دون أن يعني هذا أن جودت لم يكن مجتهدا ولم يكن له أفكاره الخاصة الأصيلة. 56) لك كلمة مأثورة تقول فيها:(إننا جميعاً نعمل في مهمة مقدسة , هي إعادة الحياة لمليار من البشر) لأي حدّ نجحت في هذه المهمة ؟ ج – أعتقد أنه قد حقق نجاحا لا بأس به، وإن كان لا يعادل ما بذل من جهد، وأعتقد أن النجاح قليل أو يكاد يكون غير محسوس، وغير مرضي بالمقارنة بإسعافية الفكرة، وحاجة الأمة الملحة إليها، لكن مما يبعث على الأمل ويدعو للطمأنينة، أن هذا النوع من الفكر، بدأ يتحول إلى لغة عالمية، وهو يكسب الأنصار كل صباح، إضافة إلى أن انسداد السبل أمام العمل العنفي الخوارقي، سوف يضطر الناس إلى هذا السبيل، (إن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون). 57 ) هل الأفكار هي التي تفعّل الإنسان أم الإنسان هو الذي يفعّل الأفكار؟ ج – أعتقد أن هناك نوع من الجدل أو التأثير المتبادل بين الفكرة والإنسان، فكما أن الإنسان يحتاج ة للفكرة الصالحة التي تعطي نتائج نافعة تعزز سعيه في الحياة، كذلك فإن الفكرة الصالحة تحتاج للإنسان الفعال، الذي يحملها ويسوقها فيوفيها حقها. كل الشكر والتقدير للأخ الكريم الصحفي مسعود عمري، الذي نتمنى له مستقبلا زاهرا، وحياة حافة بالتساؤل الخلاق، ونتمنى أن نراه قريبا مراسلا للفضائيات الشهيرة محققا أماله وطموحاته كما يتمنى ويشتهي. لقد أجبت على الأسئلة جميعا، وأنا أعتقد أن عدم اعتذاري عن بعض الإجابات ربما يعتبر غرورا كبيرا، لكني كتبت لعلمي أنني لن أخسر شيئا، ولرغبتي في عرضي فهمي عليك وعلى غيرك ممن ستصلهم هذه الرسالة، بغية أن أغتني بما عندهم من ملاحظات وتصويبات، أمر آخر خطر لي ولكن متأخرا وهو أنك إن كنت إنما تريد إجابات الأستاذ جودت فلن يكون جهدي مفيدا لك ولذلك أرجو أن تقبل اعتذاري، لاعتراضي طريقك، فلم أتذكر أن الحاجة لمثل هذه الجهد ربما لم تكن معرفية بل مهنية محضة إلا في اللحظات الأخيرة للكتابة. شكرا جزيلا مرة أخرى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليست هناك تعليقات: