تنقيح اللاعنف 1
الأخوة الكرام (اللاعنفيون):
لقد ترددت كثيرا قبل البدء بالكتابة، ثم رأيت أن لكم علي حق رد التحية بمثلها في أسوأ الأحوال، ومن ثم يصبح التواصل معكم نوعا من العرفان بالجميل، للجهد المتميز الذي تبذلون، وقد أسعدتني الأفكار التي تداولتموها، في رسائلكم الأخير وما دار فيها من حوار شارك فيه كل من إدريس وبشر ود. الحموي:
أخوتي الأحبة كثيرا ما يستشهد الأستاذ جودت بحادثة، يذكرها من أيامه الدراسية في القاهرة، يقول: أنه كان لهم صديق أعمى، وكانوا عندما يمرون قرب محلات الحدادة يشعر الأعمى بوهج الأكسجين، الذي يصدر أثناء عملية لحام المعادن، فيسأل باللهجة المصرية(أيه اللي بيزغلل في عيننا)، وأنا - وأرجو االمعذرة منكم جميعا – لا أريد أن أعطي نفسي دور (السوبر فايزر)، وإن كان هذا لن يمنعني من المباشرة في الطرح ربما إلى درجة الفجاجة، لكني أعتقد أنها أول واجباتي نحوكم، و أقل حقوقي، أن أقول ما أعتقد أننا جميعا بأمس الحاجة إلى سماعه، ولنبدأ بالتالي:
نحن جميعا علاقتنا باللاعنف مثل علاقة الأعمى بوهج الضوء الناتج عن لحام المعادن، فكما أن رؤية ذاك الوهج، لا تحول الأعمى بصيرا، كذلك معرفتنا ببعض رموز اللاعنف في العالم، أو اطلاعنا على بعض تراثهم لا تجعلنا لا عنفيين ضرورة،[1]
وأنا أعني نفسي قبلكم، فقد كان لي صديق (توفي رحمه الله) يقول لي أنت أعنف داعية لاعنف رأيته في حياتي، ولم أكن أنتبه كثيرا لهذه العبارات لكني مؤخرا تنبهت لهذا المعنى، والذي أحسن د خالص التعبير عنه، في أكثر من موضع، وإن كان يفشل غالبا في الالتزام به، فاللاعنف قلب فياض منزه عن الغل، لاتستوطنه الظنون، ولا يتسع للأحقاد، ولا يستخفه التهديد، ولا يستشعر معنى للوعيد، إنه نوع من (النرفانا)، ومشاعر فياضة بالمحبة والرحمة والطمأنينية(تطلق الانسان من أسر الخوف على المستقبل والحزن على الماضي) والرغبة في الهداية للآخرين،(بحيث يتحرق ألما عندما يقصر في تقديم المعرفة المحرر للآخرين، بالمعنى النبوي: ولكنها نفس تفلتت مني) متحررة من الحقد، قد تخلصت من الرغبة في الانتقام، والنيل المادي أو الأدبي من الآخر،(المضطهد أو المجرم أو الفرعون.......)بل هي نوع من المواجهة بالصدر العاري، العامر بالمحبة والإيمان بالمبدأ(قال يا قومي إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى اله توكلت، فأجمعوا أمركم وشركاؤكم ثم اقضوا إلى ولا تنظرون إن توجهت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) ثم بعد ذلك في مستواها الثاني لغة عفيفة نظيفة محبة متسامحة، تعلوا على السخرية وتخلو من الأذى، يكلل ذلك سلوك في الحياة يتسم بالسلم ويبنى على العلم الذي يحل المشكل، ويحرر من الحقد، ويجعل القلوب سليمة تماما مثلما يحدث عندما نتعامل مع الظواهر الفيزيائية التي نعرف أسبابها،(مثل الكهرباء الشاهد الأكثر قربا لأستاذنا جودت سعيد).
أخوتي الأحبة:
عندما نتحدث عن اللاعنف دعونا نجزئ الموضوع على مستويات، وهذا التجزيئ لتسهيل البحث ليس إلا، فهو غير ممكن من الناحية العملية والمعرفية، لأن النفس السلامية(الإنسانية) كينونة واحدة، والإنسان السلامي الذي نرنوا إليه أمة وحده، لكن التجزيئ في حالتنا يجعل البحث ممكنا أكثر، ويعطينا إمكانية أن نقيس مقدار لا عنفيتنا، وهل تمكنا من تجاوز (الشعاراتية) في علاقتنا باللاعنف، و قطعنا مسافات حقيقية باتجاه أهدافنا وغاياتنا،
ولنقل أن المستوى الأول من اللاعنف الذي ندعو إليه، هو لا عنف موضعي محلي يشيع كأسلوب في العمل والنظر والمشاعر في المستويات القريبة، لنتفحص ذواتنا، ولنفتش داخل أسرنا، ولنراقب ما يحدث بين الأقارب عندنا، وفي الأحياء الصغيرة، ومن ثم في المدن الإسلامية، وعندما تصبح قلوبنا وبيوتنا وحاراتنا، ومدننا مثل البيوت المزودة بالتكييف المركزي في قرالشتاء، وحر الصيف، فهي في الحالين نموذج إنساني فريد، وطراز اجتماعي مختلف، وصفها ربها فأحسن وصفها لما وصف دار الخلد فقال(لا ترون فيها شمسا ولا زمهريرا). عندها يمكن أن نقول أننا على شئ ويمكن أن نحدد المستوى، فنقول مثلا نحن سلاميون أو لا عنفيون في المستوى 1 (أ)(الشخصي)أو 1(ب)(الأسري) وهلم جرا.
ويجب علينا أن نعمل حتى تسلم لنا هذه السوية من العمل السلمي، والتي تمثل قاعدة الانطلاق، ومربع الاطلاق أو ما يسميه الاستاذ جودت (قدم الصدق) بمصطلح القرآن، أعتقد أننا مطالبون وبصورة ملحة بتحرير هذه المساحة الضرويرية للتعبير عن الذات وتمييزها، حتى يمكننا أن نقول(للآخر) من نحن؟ وما ذا نريد؟ وماذا نعمل، وأي مسلك نتبع؟ فيميز الناس هذا اللون من العمل في خدمة البشر، وعند هذه النقطة نكون قد فعلنا كما فعل جودت منذ أربعين عاما، عندما كتب لللإعلان وليس للإقناع، وهو يقصد كتاب مذهب ابن آدم الأول، (على مستوى جماعي وليس على مستوى فردي) وعندها نكون في مستوى (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، وهذه الخطوات الأربع هي فيما أتصور درجات سلم العمل السلمي، حيث يبدأ بالدعوة أو البلاغ بحسب القرآن أو الفعل التواصلي بحسب هابرماز، والذي بدوره لن يكون مشعا محسوس القيمة والأثر ما لم يتجسد في الواقع الاجتماعي على شكل عمل صالح، أي نافعا وحتى يأخذ هذ النفع البعد القرآني، يجب أن يتحرر من كل الألوان كالعقيدة والعرق والطائفة والحزب، فيصبح نفعا إنسانيا يستهدف الإنسان المجرد بغض النظر عن أية صبغة أو لون، يتلوا ذلك الإعلان أو الإنحياز إلى هذا النموذج الإنساني العالي من السلوك، وفي هذه المرحلة يكون للإعلان قيمة، لأننا عندما نعلن في هذه اللحظة فإننا ندعوا الناس إلى واقع متجسد شاخص ناطق، وفي المرحلة الرابعة يحدد القرآن وبطريقة نهائية غاية في الوضوح الطريق الذي يؤدي للتقدم، في هذا المضمار، وتقليص قائمة المعترضين والمعادين بطريقة نهائية وحاسمة عبر (ادفع بالتي هي أحسن) باعتبارها الطريقة التي تنصر العمل بطريقة مضاعفة ففي كل حركة أو نقلة يخسر المعسكر الآخر، في الوقت الذي يربح فيه معسكرك بحركة مباركة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، بطريقة غير قابلة للنكوص أو التراجع.
إذا تمكنا من التقدم عبر هذه المفازة يمكن أن نطرح قضايا الأعداء الخارجيين، ولذلك أسمع منذ سنوات من الشيخ جودت عن أهمية أن يتمكن العرب من صناعة سلام عربي عربي، وهذا ليس لاعتبار السلام العالمي ليس ملحا أو أنه ليس على الأجندة، لكن لأن تحقيق الانجازات الكبرى العالمية يجب أن يسبقه نجاحات محلية، وتقدم في المستويات المحلية الموضعية الصغيرة.
هذه مساهمة أولية عامة، أرجو أن تحدد الأطار العام للحوار، حتى نتمكن من بحث بعض القضايا الفرعية فيما أتصور والتي تحتاج لأن تأخذ مكانها في اللوحة حتى يتبين معناها.
وأبدأ بملاحظة الأخ د. الحموي:
حول مسلمة جودت - إن صح التعبير - في التفريق بين المريض والمرض، وأنا أعتقد وأظنكم تشاركوني أن العامل الذاتي عند البشر قد حال عبر تاريخهم الطويل، دون الرؤية الواضحة لأ شياء نستغرب اليوم كيف التبست عليهم؟ وأظن أن تجربة الأخ الحموي في السجن تخلق عنده مثل هذه الرؤية غير القادرة على الفصل بيبن المريض والمرض، لكن الناس الذين ندعي أننا نسير على قدمهم في التاريخ، كانوا من النموذج الذي يتمكن من العض على الجرح، والصبر على الأذى، والاحتفاظ بقلب سليم، يكن كل الحب للآخر (المعادي) والذي يعتبر حليفا حقيقيا في معركة التقدم الإنساني، وكل الذي يخلق الصعوبة التي نعاني منها جميعا(نحن وهو) هو مقدار ونوعية المعرفة المتوفرة، فهو ضحية أكثرمما هو مجرم، وحالته تستدعي القلب الكبير الحنون، أكثر مما تستدعي القلب الخاقد الفظ الغليظ، ويمكن أن نقرأ ذلك في العديد من المواقف في حياة محمد(ص) حيث تجلت القدرة على الفصل بين الثمن الشخصي الذي وطن اللاعنفي نفسه على دفعه، وبين النتيجة النهائية للموقف التي يعتبرها نتيجة إيجابية، ولذلك يكون المكافيء للضرب والتعذيب والطرد والسخرية في الطائف(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وتكون ثمرة سنوات من الحصار والمقاطعة والعداء السافر من أقرب الناس، والإساءة المستمرة لسنوات طويلة، والتهجير من الوطن والطرد من الديار التي أحب وعشق ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء).
ثانيا فيما يتعلق بالأخ المجتهد إدريس والذي أعتبره الروح الذي يسكن هذه الشلة البريدية، يتحرك من غير ملل أو كلل، كالنحل يطوف على الأزهار، ويجمع الرحيق مختلفا ألوانه نسأل الله أن يجعل فيه الشفاء له وللناس.
أحب أن تعلم أخي إدريس أنني أحب أسلوبك الساحر المتميز الرشيق في الكتابة، والذي يفيض رقة وعذوبة، خاصة عندما تعتذر لتسرعك أو ارتجالك (كما فعلت مع ببغاء رشا)، كما إنني اغبطك على هذه الحياة الثرة الغنية التي تتدفق مثل الجدول العذب السلسبيل، وهذا النشاط الدافق المتألق الممتلئ بالعزم، المسكون باليقظة والانتباه والوعي، فأرجو لك دوام التقدم والازدهار.
أخي إدريس
أعتقد أن الخطوط العامة للفكر اللاعنفي أو على الأقل مقارنة بالصورة التي عندي هي خطوط غير واضحة، لدى جنابكم الكريم، هذا إذا كنا قد فهمناك فهما صحيحا مما قرأناه فيما كتبت:
1- فنحن نشعر أو نفهم وربمافهمنا خطأ أن الأخ المكرم لا يميز بين عنف الأفراد وعنف الدولة ، وهذا التمييز في تصور مهم وضروري، وأعتقد أنه يحررنا من سوء توظيف الظاهرة الاجتماعية والحدث التاريخي، مثلما يحرررنا من سوء توظيف النص الديني، أرجو أن نتفق على أن حركة السيف المحمدي إن صح التعبير محكومة بشرطين:
- الشروط الموضوعية التي كانت تحكم العلاقات بين الكيانات السياسية أوائل القرن السابع الميلادي
- الشرعية [2]التي يمثلها محمد(ص) باعتباره القائد السياسي والروحي لدولة المدينة التي تمتلك كل مقومالت الدولة الحديث(الدستور- الأرض - الشعب).، ومن ثم فالسيف المحمدي ليس حجة لاستخدام العنف لأي أحد خارج هذين الشرطين.
2 – فهمنا من الأستاذ جودت وبشكل أشد وضوحا من خالص، وهو معنى يكرره كثيرا خاصة عندما يتكلم عن السلاح النووي، ما مؤداه أن العالم قد حدث فيه تغيرجذري بعد التفجير النووي، بحيث أصبح الناس مطالبين بإعادة النظر في القوة كأداة لحل المشكلات الإنسانية، وهذا فيما أتصور ماعززته آخر حربين في المنطقة (معركة حزب الله والمعركة المستمرة لأمريكا في العراق) حيث ظهر جليا بأن العنف ليس حلا لأي مشكلة، وأن الناس قد كسروا طلاسمه، وتخلصوا من سحر شيطانه، الذي يحدد الحق قرته على إيماننا به ( إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مؤمنون)، ومن ثم يجب أن نضع في أذهاننا عند بحث موضوع العنف، التمييز بين العنف باعتباره كان ضرورة تاريخية في لحظة ما من التاريخ الإنساني[3]، وبين العنف وما يتطلبه من أثمان أثبتت الحرب الأخيرة في منطقتنا، والتطورات الاخيرة للحالة في غزة، أن عدد الذين لديهم القدرة على دفع هذه الأثمان الباهضة، التي يتطلبها وثن القوة في تناقص مستمر، أي أن القوة قد فات أوانها كوسيلة لحل المشكلات بين البشر، والمناطق الساخنة اليوم في العالم، تشبه الأماكن التي لاتتوافر فيها المياه الصالحة للشرب في عالم اليوم، فهي ليست دليلال إلا على أن البشر كانوا جميعا هكذا في لحظة من تاريخهم، و هذا لا يفهم منه أحد ضرورة العودة إلى هذا النمط من الحياة.
3 – فيما يتعلق بالمسيح والإنجيل، أعتقد أن التعليق يمكن أن يطول كثيرا، لكن ألفت الانتباه إلى أمرين:
- أن المسيح لم يتمكن من الوصول إلى مرحلة الدولة بل قضى عليه الله ما قضاه وهو في مرحلة الدعوة، وأنه كنبي يجوز عليه كلما جاز على محمد، وله مثلما لمحمد عليهما السلام(لا نفرق بين أحد من رسله)، وأن سيرته اعتراها ما اعترى سيرة أخيه محمد، وأن دعوته شوهت كما شوهت دعوة محمد، وكتابه هجر كما هجر كتاب محمد.
- ثانيا أن الأناجيل ليست كالقرآن باعتباره الوثيقة الناجزة المحفوظة بطرق علمية محترمة للوحي الأخير كما نعلم من كتب التاريخ، وكما نؤمن كمسلمين وإنما هي مدونات مثل السنة، كتبت من الذاكرة بعد الثلاثة أرباع القرن لأولها ظهورا بعد أن تلوثت بكل ما كانت تحمله البيئة التي عاش فيها أتباع المسيح، وأذكرك أن القرآن الذي تكفل الله بحفظه كيف ضاع؟ وكيف لوثه المفسرون؟ بالخارق والجبري، وإلى أية درجة تكيف تفسيرالكتاب النور المحرر مع الذل والكذب والنفاق الذي يعشش في البيئات الإسلامية، وكيف يتعانق تفسير الكتاب الذي أنزل لمواجهة الجبت والطاغوت مع الخرافت التي ينشرها سدنة الجبت والطاغوت؟ وكيف أمكن تطويع هذا الكتاب كي يتعايش مع البغي والغي والوثنية والاستبداد؟؟ ورحم الله إقبال:
(قرآنك الحق المبين وإن يكن قاسى كلام مفسريه وعانى)
(لو يرغبون برأيهم أن يجعلوا القرآن بازند[4] المجوس لكانا) لقد زوروا معانيه وبدلوا قوانينه، وأضاعو روحه واتخذوه مهجورا بالتنكر لقيمه.
فأرجوا أن نكون أكثر رفقا عندما نتحدث عن مقدسات الآخرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم د . محمد العمار 29 \ 11\ 2006
[1] وهذا يعطي مشروعية كبيرة للبحث الجاد الدؤوب الذي يقوم به الأخ المكرم إدريس مع رجاء أمرين، أن يغير أساليبه في القراءة إذ يبدو أن القراءات السريعة توصل إلى نتائج متسرعة، قد لا تكون دقيقة، الأمر الثاني أن يقتصد كثيرا في المدح واسباغ الألقاب، وأن يقلل كميات السلام المرسلة لهم لأن ذلك ينقص مخزونه على ما يبدو فلا يبقى فيه الكثير منه للآخرين.
[2] أتمنى استذكار شروط الشيخ جودت للجهاد
[3] ولذلك كان محمدا عليه الصلاة والسلام يصرح وأثر عنه ما يفيد أن كل معاركه كانت إجبارية تفرضها عليه لغة العالم الذي كان يعيش وأنه لو أتيح له غير الحرب كحلول للمشاكل ما لجأ إليها.(كما في قوله يوم فتح مكة: والله لا يسألوني اليوم أمرا فيه صلة لرحم وحقنا للدم إلا أجبتهم إليه)
[4] من أسماء كتاب المجوس المقدس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق