مع الواقفين!
الأخ المكرم يوسف درويش السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
إن السياق العام لمقالكم قد يوحي أن هدفه العام هو الحط من شأن المفكر السوري خالص جلبي، ولكنني لا أعتقد أن هذا الهدف هو ما تصبو إليه، أو أنه يستحق أن تعمل له أنت، أو أرد عليه أنا، ولك أن ترى في الرجل ماشئت، ولغيرك أن يرى ما يشاء، فأنا وللمثال فقط رغم تحفظاتي الكثيرة على جوانب متعددة، في أداء المفكر المتميز خالص جلبي، أعتبره واحد من أحسن كتاب المقالة في عالمنا، وبظني أنه يتربع على السدة العليا، في قمة كتابة المقالة العربية، وإن كنت لا أزعم أنه متوحدا فيها، و لا أزعم أن رأيي حقيقة انطولوجية لا يمكن مناقشتها، وعلى كل فهذه وجهة نظر في الموضوع الأقل أهمية وهو تناول الجانب الشخصى لرجل ما.
أما في ما يتعلق بالمهم أقصد ما تعرض له المقال من أفكار، فأرجو أن نتمكن سوية من تبادل وجهات النظر، بما يجعل الأمور الإشكالية أكثر وضوحا، ونبدأ من الفكرة المركزية، والتي شكلت المنطلق فيما وصلت إليه من قناعات، وهي عبارة د. نفيسي:
(إن العالم العربي و الإسلامي يعاني من طغيان سياسي و هو يؤدي إلى القرار الخاطئ ، والقرار الخاطئ يؤدي إلى متضررين منه ، و هؤلاء المتضررون يعترضون على القرارات الخاطئة ، و هنا تنشأ ظاهرة القمع ، و ظاهرة القمع تولد المواطن الخائف، و إذن الطغيان السياسي نهايته مواطن خائف ، فالمواطن العربي مواطن خائف) .
فمع التسليم بصحة هذا التحليل، أرجو أن تتقبل أنني أختلف معك في التأويل، ولنبدأ من الأمور الصغيرة أقصد الحرفية، فالنفيسي يتحدث عن مواطن عربي خائف، وليس عن مواطن سوري خائف، ذلك أن النفيسي يعلم أن العرب جميعا يعيشون في بلدان لا يبلغ التفاوت فيما بينها، في موضوع الحقوق والحريات، الفروق النوعية، بل إن ما بينها من فروق هي فروق كمية دقيقة، ويمكن قياسها بـ(المكروغرام) وليس بوحدات أكبر، أي أنني إذا كنت أعيش في جمهورية القمع فلا أعتقد أن مواطني المغرب العربي يعيشون في جنات عدن، وما حدث في سوريا من أحداث جرت أمثاله في تونس والجزائر، والمغرب وليبيا وموريتانيا، وفي مشارق عالمنا العربي ومغاربه، وخلاصة ما أريد قوله أننا وكما يقولون عندنا (في الهوى سوا) ولذلك أرى أن طرح الموضوع بهذه الطريقة قد جانبه الصواب، إذ لا يليق بمن يحملون نفس العاهة، أن يشنعوا على أنفسهم بالتنابز، الأمر الآخر والذي أعتقد أنه يجب أن يكون التتمة المنطقية لكلام النفيسي، هو أن المواطن الخائف سيضطر للتخفي والتربص، وهذا سيقوده للمداهنة والنفاق والسير في ركاب ما يظنه باطلا، أو أنه سيترك البلد زاعما أنه فار بدينه وعرضه!
أي أن الخوف والرعب سيضطره للإنسحاب، أما من المجتمع الكبير بالهجرة، أو من المجتمع الصغير بتغيير موقعه أو موقفه أو على الأقل جلده الخارجي، وهذه الصورة فيما أعتقد وأرجِّح، تستوعب كل أنواع المواقف التي تنتج عن الخوف، والتي يمكن قراءتها في ألوان سلوك كثير من رموز العمل الإسلامي (متطرفين)و (وسطيين)، ولا أظن أن الخائف يمكن أن يسلك غير هذين السبيلين، وهو لن يكون على الاطلاق سلميا أو سلاميا، لأن السلام لا يمكن أن يؤسس على مشاعر المراراة والخوف، ولا على مشاعر الاضطهاد والرغبة في الانتقام، ولا يمكن أن يكون ثمرة الخوف التي وصفنا فيما سبق، لأن من يحمل مثل هذه المشاعر سيكون حاقدا تشع نظراته بالكراهية، ويمتليء صدره بالغيظ، وهو يجتر آلامه ومآسيه، يتحين الفرص التي ستمكنه من الانتقام الذي تقض الرغبة فيه منامه وتعكر عليه حياته وتملأ عليه مشاعره، وهذه البيئة ليست بيئة يمكن أن يستنبت فيها السلم ومشاعره، فالسلم حالة في العقل تفترض أن المشكلات جميعا قابلة للحل وأن الحل أبدا لا يمر عبر طريق القوة، ولذلك فهي نفسية تمتليء بالاشراق والتفاؤل، وتنتهج العلنية والمواجهة، وهي تفترض أن انسداد الوضع هو مسؤوليتها، ولذلك فهي تملك زمام المبادرة وتبدع الحلول التي تمكنها من أداء واجباتها والتغلب على العقبات والصعاب وإنجاز الأهداف بأٍسرع الأوقات، وأقل التكاليف، وأقل الآلام، هذا ما فعله محمد عندما نمّى الجيل القرآني الفريد على حد تعبير سيد الذي تحبه، وهذا الانطلاق السلمي السلامي لم ينشأ عن الخوف، ولم تحكمه التقية، ولم يكن تكتيكا تربصيا مؤقتا، لذلك لم تعقبه لحظة انتقام، بل (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) وكانت النتيجة السيادة في المدينة من غير قطرة دم في ما يقرب العشر سنوات، ثم فتح مكة بعد عشر سنوات أخر، ثم اجتياح العالم في خمسين عاما، فالسلامية أخي الكريم برنامج عمل مختلف، يقوده نموذج إنساني مختلف، إنها تقنية مختلفة الدوافع والآليات، تنبع قوتها ليس من شدة القمع وظلامية الوضع، إنما من امتدادها عميقا في جذور الفكر، حيث تحكم صاحبها مسلمة أولية مفادها، أن النفس الإنسانية محصنة ضد إرادة القوة، وأسيرة لقوة الإرادة، وأن القمع والإكراه لايأسران الجسد إلا عندما تستكين الروح ويستسلم العقل للمسلمات الخاطئة، التي يروجها الجبت والطاغوت، فالسلامية الحقة أخي يوسف هي مسار مزدوج الاتجاه،(تجاه الذات وتجاه الآخر)، وهي تمارس كاستراتيجية وحيدة تليق بالإنسان المكرم، الذي رفعه الحق مكانا عليا، لما نفخ فيه من روحه، فقطع بذلك مع مملكة الحيوان، حيث تسود قوانين العضل في عالم محجوب عن سنن العقل، فليس الأمر أخي العزيز كما تتصور، بحيث أن تكون السلامية تقنية بديلة للعنف من الناحية التكتيكية، ناتجة عن الضعف والاستخذاء، كما وصف (رودونسون) النبي بمقولة (النبي المسلح)، في قراءة خاطئة لمنهج النبوة، ولايشفع له في ذلك أن التفسير السائد في العالم الإسلامي يعزز هذا الإتجاه ويبرر له.
أخي يوسف: إن الذي يؤمن أن العنف وسيلة قابلة للإستخدام في معركة الفكر، لا يمكن أن يكون سلاميا على أبدا، فالقوة محبوب أناني لا يقبل الشريك، وكل من يقع في غرامه لا يلتفت لغيره، فمن حقائق علم النفس التي هي في متناول الجميع فيما أظن أخي أن قناعاتنا العميقة، هي المحددات الحقيقية لسلوكنا، وليس الكلمات التي قد تعلمنا للتوّ كيف نلوكها بألسنتنا، إن العنف واللاعنف عالمان منفصلان لا يمكن أن يلتقيا، لا على مستوى الفكر والشعور ولا على مستوى العمل والممارسة، وهما في عالم الفكر محل قطيعة تامة أكثر شبها بعلم الفلك قبل غاليليو وبعده، ودخول عالم اللاعنف هو دخول عالم جديد، مختلف الملامح والحدود والضوابط والقيود، وهو يشبه تماما الوصف الذي جعله النبي أحد الفروق الثلاثة بين الكفر والإيمان حيث قال:
........... أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، أنه نوع من الإعلان اليوسفي (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله.....) ، إنه وبالوصف الذي أحسسته وعشته، لحظة تحرر وانعتاق، لحظة تحرر من الخوف، وانعتاق من الأغلال الفكرية، وتخفف من الأوزار التي حملناها من زينة القوم، إنها وكما عشتها هي لحظة الذي ينشط من عقال(كما في الحديث النبوي).
أخي يوسف: إن أكثر ما نواجه من صعوبات في الحياة، ناتج عن الفهم والتصورات الخاطئة ، وهذا المفاهيم والتصورات الخاطئة، يتولد عنها مواقف خاطئة تشل حركتنا وتعيق تقدمنا وتحول بيننا وبين تجاوز عقبات الطريق، وهذه هي حالة العجز التي تسيطر على عالمنا الكبير الغني، وتحكم سلوك إنسان عالمنا، فتصيبه بالشلل، فلا تنفعه الثروات وتبور بين يديه أغنى الأراضين، ويصبح العنصر البشري الذي هو لبنة ابناء الأولى لقيام حضارة عبءا لا ندري كيف نتخلص منه، ومشكلة لا نجد لها حل!وهذا الذي يسميه علماء النفس بـ ( العجز المكتسب) ، والتي هي عنوان نظرية شهيرة في علم النفس، وهو ما عبر عنه البيان الإلهي بقوله تعالى (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين)، وإلا فكيف يمكن تفسير الجمهور الذي تحظى به الحركة الإسلامية في كل بلد، والاخفاق الفظيع الذي تلاقيه؟ إن مواقفنا الخاطئة من الأحداث والتي هي الثمرة الطبيعية لتصوراتنا السقيمة عن الله والكون والإنسان، هي السبب الرئيس لتعثر العمل الإسلامي في كل بلد، وهي السبب في أننا ندفع الأثمان مضاعفة أضعافا كثيرة(ربوية)، ولا يرجى لنا خلاص ما دمنا نقدس أسباب تخلفنا، ونعض بالنواجذ على قيودنا، ولدينا إمكانية أن نقبل من بعض الناس كل ما عنّ لهم، حتى عندما يتجاوزون وقائع التاريخ التي تقلع العين، والحديث النبوي المعتبر من ناحية علم مصطلح الحديث، لصالح أبيات من الشعر الجاهليي، ونرمي كل من يواجههم بالكفر والزندقة أو على الأقل ننظر إليه باستخفاف وإزدراء، ولا نلقي قيمة لما يقول بل نعتبر مجرد مخالفته لمن نقدس أو نقدر تقديرا مرضيا، جرأة تستوجب التعزير، فلا يمكن لنا أن نتحرك إلا كما يتحرك العجزة والمعاقون، وتصور حضرتك كم سنبذل من جهد؟ وكم سنبدد من طاقة؟ وكم سنهدر من وقت؟ وبعد كم من السنوات يمكن أن يحدث تقدم أو تغير أو تحسن في أحوالنا؟؟
أخي الحبيب :
أرجو أن نتمكن من النظر للآخرين مهما بعدوا، بنوع من الموضوعية التي يطالبنا بها القرآن(يا أيها الذي آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولو على أنفسكم او الوالدين).
إن البترودولار ليس سبة، فالغنى بالنسبة لمؤمن ليس عارا ولا مفخرة، والمال لا يحسِّن نوعية الإنسان ولا يزري بها، إنما وكما في الحديث النبوي(........عن معادن العرب إذا تسألونني، إن الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا).
فالفروق بين الناس في الأساس فروق معرفية، ليست مادية ولا بيولوجية، وإن كان الناس ولصعوبة تحصيل المعرفة، يميلون للفخر فيما لا يد لهم فيه، لأن تحصيل العلم والمعرفة الإنسانية فيما أتصور، أشد صعوبة وأبعد منالا من تحصيل الثراء، ولا أعتقد أنك مصيب فيما وصفت به حياة الأخوة في الخليج، من سلم وبذخ، إن العمال الذي يعملون في الخليج، يبذلون كالأمراء عندما يعودون إلى بلدانهم الفقيرة، حتى ولو كانوا عمال مطاعم أو موظفي بلديات مع احترامنا لكل عامل، وأظنك توافقني إذا قلت لك أنني لا أعتقد أن فقر بعض الدول الإسلامية حوّل أهلها إلى ملائكة أو قديسين!.
أخي يوسف: أرجو أن نتمكن من الحديث عن بعضنا بعلم، أي بعدالة ورحمة واحترام، وأن تكون لدينا القدرة على الاعتراف بأن أوضاع الأمة السيئة شركة مساهمة بين جميع من ينتسب لها، فلا أهل المغرب سبب لهذا الانسداد، ولا أهل المشرق عقبة أمام نهوضها، وكذلك ليس غنى الخليج ولا فقر الصومال وجوع أهله!.
وأما أن أهل الخليج ميالون للسلم، فأعتقد أن استعراضا لأحداث العالم المعاصر، تثبت أن هذا الرأي يحتاج للمراجعة، وأنا أقول وكما أنه لا توجد منطقة أو بلد مسؤول عن تخلف العالم الإسلامي، لا أعتقد أيضا أن في العالم الإسلامي إقليما أو بلدا، امتاز أهله بما يعطيهم حق النظر إلى غيرهم باستخفاف وازدراء! ولا شك أخي الكريم أنك تحفظ من الدستور الإلهي قول الله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم .......... إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
أما قولك أن فكرة اللاعنف تكونت في ظروف خاصة، فهو من الحق الذي لا يمارى، فكل الأفكار والأديان والمبادئ والمذاهب، تولد في ظروف خاصة بمعنىً ما، وهذا لا يقلل من قيمتها ولا يضعها في خانة الخطأ، ولا يمكن إعدام أية فكرة انطلاقا من ظروف الولادة وتاريخ التكوين، إن القرآن الكريم يعلمنا أن الأفكار والأشياء لا تكتسب القدسية لذاتها، إنما لما تتركه في حياتنا من نفع وخير وبركة، وهذا ينطبق على الله سبحانه، وعلى كتاب الله، وعلى رسول بالله، وعلى دين الله، وهذا المعنى غاية في الوضوح في كتاب الله، أرجو أن تتمكن من تتبعه والتأكد من أن القرآن يعلمنا أن النفع[1] هو قانون التقديس والتعظيم[2]، والقرآن يؤكد ذلك في السنة الناظمة لحركة الوجود، والتي تحكم معركة الحق والباطل عبر التاريخ، يقول تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
أما كونها ليست نتائج علمية حسية خالصة، فهذا أمر فيه نظر؟
ويمكن أن نبحث الموضوع من عدة زوايا:
1 – أعتقد أن التأسيس النظري الشرعي لموضوع اللاعنف، كما عرضه الأستاذ جودت في مذهب ابن آدم الأول، لم يصدر كتاب في العالم الإسلامي يتعرض لأدلته الشرعية، وأساليب الإستدلال فيه، أويطعن في انسجامه مع المباديء الكلية للشريعة، ولذلك أعتبره قائما كتأسيس شرعي للموضوع، الأمر الذي فهمت من رسالتك أنه ليس محل شك أو اعتراض من قبلك، رغم أن هذا الموضوع أصبح مقارنة بما يطرحه الأستاذ جودت في الموضوع الآن، نوعا من الإعلان بكل ما للكلمة من معنى، كما ذكر هو في كتابه قبل الأربعين عاما، ذلك أن هذا الكتاب الصغير في حجمه، والذي تصدى ربما لأخطر قضايا العالم الإسلامي، لو قيض للأستاذ اليوم أن يعيد البحث والكتابة في موضوعه، فلربما تحول الكتاب الصغير إلى عدد من المجلدات، وأنا لا أقول هذا رجما بالغيب أو تعصبا لمن أحب، ولكن كشاهد قريب ، يستطيع أن يتابع تطور حجوم الأفكار ويراقب امتداداتها في عالم الفكر عبر العشرين عاما المنصرمة.
2 – كنت أقول منذ زمن بعيد، أنه لو كان رجال الفكر والدعوة في العالم الإسلامي، يعيشون العالم، ويعون حقا ما حدث فيه من تطور، وما جرى فيه من تغيرات، ولديهم القدرة على إبصار العالم موضوعيا، أي عبر امتحان تصوراتهم وافتراضاتهم، التي تقوم الأدلة على بطلانها في كل يوم، أقول لو قيض هذا لقادة (الرأي) في العالم الإسلامي، وعلى افتراض أن دينهم، لا يؤمن بالعقل ولا بالعلم، وإنما يعتبر المدخل الوحيد إلى فضاء النفس الإنسانية، إنما هو عبر القوة وأدواتها، أقول لوكان الأمر كما وصفت فيما تقدم، لوجب أن يوجد في العالم الإسلامي، من يتجرأ ويجتهد أن عليهم، لا أقول إجازة العمل السلمي بل ضرورته ووجوبه وأولويته ولو لأسباب تكتيكية، وإن لم يكونا يؤمنوا بذلك، باعتبار العمل السلمي ضرورة، تبيحها الضوابط الشرعية التي يتعلل بها في الأحكام الهامشية، مقارنة بقضية العنف، وانطلاقا من الضرورة التاريخية التي يشرحها عدم إمكان انتاج قوة معقولة في العالم الإسلامي، ذلك أن القوة وأدواتها تنتج خارج هذا العالم، وليس في وسعهم في المدى المنظور، أن ينتجوا قوة قادرة على خلق نوع من (التوازن) الخرافي الذي يطمحون إليه ويعدون به شعوبهم وُيمنّون به أنفسهم، وليس أدل على صحة هذا الاستنتاج من قنبلة باكستان، التي ظهر عجزها في حرب الأفغان الأخيرة، عن تأمين أي نوع من التوازن بين المصالح والاستراتيجيات الأمريكية ونظيرتها الباكستانية، ولو كان من قبيل حفظ ماء الوجه، بل رضخت باكستان رغم قنبلتها، تحت أقدام الأمريكان، مثلما فعل الزعيم القذافي. ومثلما كانت نتيجة استسلام القذافي، التنازل عن كل مكونات البرنامج النووي الليبي، فقد قدمت باكستان كل ما تملك في الأفغان، حتى رقاب حلفائهم في السياسة، وإخوانهم في العرق والدين والطائفة والمذهب الطالبان (الباشتون المسلمون السنة وأعتقد الأحناف).
3 – النقطة الثالثة التي أحب أن نتدارسها معا، تتعلق بحقيقة الرسالة التي يعلن المسلمون أنهم يدعون لها ويحملونها للعالم، فإذا كان الأمر يتعلق باستعادة الإمبراطورية التي يتغنون بأيامها، ويذرفون الدموع غزيرة على أطلالها التي لا توجد إلا في الخيال، فلا شك أن الأمر يتطلب إعدادا واستعدادا، وإن يكن من خلال منطلقات جديدة، تقوم على فهم العالم بطريقة مختلفة تماما، ويكون من أول علامات صحتها، إمكان اتخاذ موقف صحيح يمكّن من فعل إيجابي، وتنطلق في زحزحة المفاهيم من إمكان قراءة التلميح النبوي حول احتمال تبدل معنى القوة عبر التاريخ، والذي يمكن فهمه واستنتاجه من قوله (ص)تعليقا على قول الله(وأعدو لهم ما استطعتم من قوة............) ألا إن القوة هي الرمي ألا إن القوة هي الرمي............. ثلاثا.أي أن المعنى الآن هو كذا مما يدل على إمكان أن يتغير.
وإذا كان المسلم اليوم ما زال يحمل الهم، والرسالة اللتين عبر عنهما ربعي بن عامر يوم وطأ فراش كسرى مبعوثا لقائد جيش الفتح، أي رسالة (الإنقاذ) والتحرير للناس، من عبودية العباد إلى عبودية الله رب العباد، فلن يكون محتاجا للقوة أبدا لأن كل بلدان العالم[3] تستطيع أن تُبِلّغ فيها أي فكر، وتنشر فيها أي دعوة، وتدعو فيها لأي مذهب، إذا لم تلجأ للعنف وتحاول فرض ما تعتقد بالقوة، ذلك أن الناس عموما في مشارق الأرض ومغاربها، مع أخذ الاستثناء السالف بعين الاعتبار، قد خرجوا من عبوديتهم للعباد، وهم فقط يحتاجون لمن يأخذ بيدهم بكل الرفق والمحبة والمعرفة ليضعهم في طريق العبودية لله.
أما فيما يتعلق بأن الأستاذ جودت لم يأت بجديد؟ فهذا الموضوع باعتقادي محل نظر، ويمكن الحديث والكتابة عن الجديد عند جودت كثيرا وطويلا، بحسب معرفتي بالرجل وفكره، وأرجو أن نتمكن من ذلك في رسالة أخرى.
لكني أحب أن أبحث الآن الموقف من الفكر، وليس جديد هذا الفكر، والذي جعلني أتجه هذا الاتجاه في البحث، أن مثل هذا الاعتراض يتكرر وأعتقد أن دوافعه واحدة، وهو فيما أظن وأتصور، ناتج عن رفض غير واع، لأفكار نعجز عن مواجهتها من الناحية العقلية أوالشرعية، حفاظا على بعض (المقدسات) أو إتباعا لبعض (المقدسين)، وهذا الموقف يمكن تسميته بمصطلح القرآن، (بخس الناس أشياءهم) السلوك الذي يرفضه القرآن، وإلا فكيف نسيغ النظر إلى الحقائق الإنسانية والتاريخية والدينية، مثلما ننظر إلى قصات الشعر أو موديلات الثياب؟ وإذا أجزت لنفسي أن أقول أن هذا لا قيمة له لأنه ليس جديدا، فكيف سنقدم للناس رسالة تمتد في نسختها الأخيرة لعشرات القرون؟، إن الحقائق لا يسري عليها قانون الزمن، ولا تموت بالتقادم، ولا تتآكل قيمتها بمرور الوقت، بل إنها تتجدد مع شروق، وتكبر مع كل ربيع، إن الذي يعطيها قيمتها حاجة الناس إليها، وما يمكن أن تدخله في حياة الناس من يسر، وتحرر وانعتاق، وتوفير للطاقات والآلام والأوقات. ومن هذا المنطلق، وبناءا على هذه الأسس والاعتبارات، نتمسك بهذا الدين وندعوا الناس اليه، وأعتقد أن هذه رسالة القرآن للناس لما يخاطبهم قائلا: ( الذي آتيناهم القرآن يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون). فاتباعه ربح، وهجره خسارة.
فإذا كانت مثل هذه الأفكار، ما زالت تملك قيمتها التحريرية في حياة الناس، وما زال الناس في العالم الإسلامي يدفعون الأثمان الباهظة لإعراضهم عنها، وهي تدعوهم لأقوم السبل، وأقلها كلفة، وأسرعها إنجازا، وأكثرها بركة، فكيف يسيغ لنا أن نقول بأنها ليست جديدة، إن الآلام التي يعانيها العالم الإسلامي بسبب غرامه السقيم بالقوة على حد تعبير فيلسوف الجزائر مالك بن نبي، والدماء التي لن تكون آخرها الدماء المسفوحة في الصومال، أو الشلال الذي يغالب دجلة في العراق، هي مطالبات يومية متجددة تستصرخ هذا اللون من الفكر، ونداءات عاجلة ملحة بلسان الحال لقادة الرأي في العالم الإسلامي، تدعوهم إلى هذا الصراط، صراط العزيز الحميد، الذي هو وصية رسولنا وسنته، والذي لا يزيغ عنه إلا هالك، كما أنبأنا عليه الصلاة والسلام، وكما رأينا ونرى بأعيننا كل صباح، لقد ابتعدنا عن هذا الصراط، لما جهلنا بلال، واختفى هذا النموذج الفريد كما يصفه سيد قطب[4] من بين رجالنا، وغابت مثيلات سمية عن نسائنا، لا أقول أن الأمة لم تعد تنبت من يملك الاستعداد للموت في سبيل هذا الدين، ولكني أقول أنه قد عز في هذا الزمان في هذه الأمة، من يسلك سبيل بلا، فيقدم نفسه إذا اقتضى الأمر على سنته، والنماذج التي تنتجها الأمة - مع أننا لا نشك بصدق نواياها، إخلاص إيمانها - لكننا نعتقد جازمين أنها أضاعت طريق بلال، فهي تتقن الموت على طريقة (حمى اهله حيا وميتا) أكثر مما تتقنه على خطا بلال حيث التبليغ ونشر الفكر وعزيمة لا يخونها الصبر ، حتى لو بلغ الأمر نهاية ياسر.
أخي الكريم يوسف : ذكرت أشياء شخصية، لن نتوقف عندها، والأستاذ لا يهتم بها، ولكني أقول لك، ومن واقع خبرتي بالرجل أنها جد بعيدة عن حقيقته بحسب خبرتي.
أما عن قولك (فاتصل الطبيب خالص ليقول بأن الأستاذ جو دت منذ سنين، وهو ينفخ في أنبوب مثقوب، أراد أن يقول لا مستجيب لهذه الفكرة التي تمّ التقعيد لها علميا و شرعيا) .
فهذه من سقطات خالص، ومما أصبت بنقدك له، من أنه أحيانا تأخذه اللغة على حساب الفكرة، وإن كان هذا لا يعني أنه كاتب غير متميز!
لأننا جميعا نعرف أن القربة المثقوبة، لا ينفخ فيها إلا فاحص خبير، وهذا يفعلها لمرة واحدة، وعندما يتبين له ثقبها يتوقف عن النفخ، أوأحمق مأفون لا يدري ما يفعل، وهذا لا يجدر النظر إليه ناهيك عن متابعته في فكر أو سلوك، ولا أعتقد أن خالص يمكن أن يخطر هذا له على بال، ولكنها طبيعة البشر، وإغراء اللغة، فأرجو أن نتعلم تجاوز مثل هذه الهفوات، ونحن نقول معك عن الدكتور القرضاوي حفظه الله، وإن كنا كغيرنا من الناس نتحفظ على وسطيته، ونتحفظ على أن ما قاله في الحلقة التالية، قد جب مقالة جودت من منظار الشرع أو العلم، وإن كنت لا أختلف معك أنه فعلا جبها وأتى على أسسها من وجهة نظر علم الاجتماع، والصراع الفكري كما بحثه مالك بن نبي، حيث يلقي الناس أسماعهم لما اعتادوا سماعه أو يطربون لما ألفوا من ألحان، ويمكن إن كانت لكم رغبة أن نحصل الحلقتين من الجزيرة نت ونقوم ببحث ما جاء فيهما.
وأما قولك (و كأني به لا يحب أن يرى الحركة الإسلامية إلا معصومة لا تخطئ و هذا مطلب لا يتحقق أبدا لأنه يتعارض مع فطرة الإنسان) .
فأرجو أن نتمكن أخي الفاضل أن نميز بين حالتين متطرفتين: فكما أننا نقرر معك أن لا عصمة لبشر وأن كل ابن آدم خطاء، لكننا أيضا لا يمكن أن نقبل أن يدمن البشر الخطأ والعثار، وتكرار الخطأ وإعادة دفع الأثمان، وأن يعجزوا عن النهوض وتجنب المطبات، إنها حالة إنسانية غير سوية من وجهة نظر علم النفس والاجتماع، وهي حالة إنسانية غير سوية من وجهة نظر الإسلام كما نفهم من إلحاح القرآن على العواقب والمصائر، وربطها بطبيعة الأعمال والممارسات، ومن حديث النبي المشهور، الذي أعتقد أنك تحفظه، والذي يربط حالة الاستعصاء في موقف ما، بحيث تنعدم السبل ويضيع المخرج، فيستمر نطح الجدار مرارا وتكرارا، أقول يربطها مع حالة إنسانية غير سوية تتناقض مع معنى الإيمان(لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).
بقي موضوع مهم وهو موضوع الكفر والتكفير وأنا أشعر بالاجهاد فإن كان الموضوع مما يثير اهتمامك فأنا بانتظار جوابك والذي سيشجعني على بحث الموضوع!!!
أخوكم د. محمد العمار
سوريا في 20 1 2007`
[1] بالمعنى اقرآني أي: ما هو (خير وأبقى) أي ما هو نافع لأكبر عدد من الناس لأطول زمن ممكن.
[2] ويمكن أن نقرأ في القرآن (والله خير وأبقى)(وما عند الله خير وأبقى)(والآخرة خير وأبقى).
[3] طبعا مع استثناء العالم الإسلامي بكل أسف حيث الأمور فيه صعبة وإن تكن غير مستحيلة.
[4] في مبحث جيل قرآني فريد في واحد من كتبه.
22
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق