الاثنين، 3 نوفمبر 2008

تنقيح اللاعنف 3

الأخ الكريم فيلسوف إحفير، ومهدي المغرب، وسميِّ المرفوع مكانا علياً، وسفيرنا في عاصمة النور باريس(كما يقال)، مناضل اللاعنف في الضواحي العنيفة في باريس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : شكرا جزيلا للملاحظات القيمة، والصراحة الناصعة البيضاء كيد الكليم، والنقد الممتع الرصين، والذي سيفيد بعون الله في تجلية الملتبس من الفكر، وتقوية الضعيف من الخطاب، وإزالة الباطل واستبقاء النافع في الاعتقاد والممارسة، وفي الواقع فإن رسالتي التي أشرتَ إليها، كانت فيما أردت نصيحة للـ (لاّعنفيين) خلتك أحدهم (وأنت كذلك بالطبع)، وقد رأيت فيما يقولون ويكتبون عنفا كبيرا، يضيق به صدري الذي تحكمه تصوراتي لللاعنف، وقد كنت عنونت الرسالة (اللاعنفيون الجدد)، ثم عدلت عن ذلك للظلال السيئة التي تتركها كلمة (جدد) بعد أن لوّنها المحافظون، فالخطاب الذي وصفتَه أنه تشريح لللاّعنف، لم يكن غير عتاب لللاعنفيين، الذين كنت أتصور أنهم ينحدرون في منزلقات العنف على الورق، وهذا الانزلاق فيما تصورت، ينم عن قصور في تصور اللاعنف، كأسلوب في الفكر والقول والعمل، أي بحسب تصوراتي وظنوني، وأظنني حاولت أن أقول: إننا جميعا عنفيون من الناحية العقلية، وأن اللاعنف لم يترسخ في فكرنا إلى الدرجة التي يصبح فيها حالة تحكم الشعور واللاشعور، ومن ثم تُمكِّنُ المسلم من التقدم في طريقه، معيدا إنتاج النماذج الإنسانية الفريدة، التي عرفها تاريخ البشر، وعرفها تاريخنا في بلال، وعمار وسمية، وكثيرين غيرهم، فممارسة تقنية اللاعنف لا تعني أبدا نكوصا في المعركة أو انسحابا في المواجهة، أو ترددا في المسير، إنها تعني استخدام تقنية تسمح بالتمييز والفصل بين معركة الفكر، ومعركة العضل، بين قوة المبدأ ومبدأ القوة، بين من يرغب في الإصلاح، ويعتقد أن الثمن الباهظ ضرورة، ومن يرغب بالإصلاح، ويعتقد أن هناك طرقا أقل كلفة وأكثر بركة، إنها أسلوب في المواجهة ينطلق من حقيقة أن هناك طريقة في إصلاح البشر وتغيير الواقع بغير سفك الدماء، إنها أسلوب ينطلق من حقيقة (أن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها)كما في الحديث، وحقيقة أن الدفع بالتي هي أحسن هو الطريق الحق لكسب الأعداء بطريقة نهائية مضاعفة البركات، وأن هذه الطريق هي الطريق التي توصل، وإن رآها البعض طويلة شاقة، لكن ميزتها الكبرى أن سالكها لا ينتكس أبدا وإن واجهته بعض الصعاب، وهو مدرع بطريقة أسطورية، وأنه يدفع أقل الأثمان، ويحصّل أكبر النتائج. إن اللاعنف أسلوب يعطي الفرصة للإنسان لاستخدام أنبل أجهزته، وآخرها ظهورا خلال مسيرة تطورية امتدت ملايين السنين، إنه محاولة للسير باتجاه التاريخ المفتوح على (ما هو خير وأبقى) إنه محاولة لاستخدام الجهاز الذي ارتبط وجوده في الإنسان بالقطيعة مع عالم الحيوان، الذي تسوده مفاهيم القوة للدخول في عالم الخلق الآخر، الذي تحكمه قوانين المادة الرمادية، حيث تأخذ القوة معنى جديدا من نمط مختلف، إنه محاولة للارتقاء بالإنسان المكرم إلى المكان الكريم، الذي استحقه بالنفخة من روح الله، والتي زودته بالقدرة على الإبداع والعفو، وإعادة التأهيل بدل التقليد والانتقام والتدمير، فهذا المخلوق البديع زُوِّد بتقنيات جديدة، تمكنه من الاختيار والربط والمقارنة، وقراءة العواقب، وتنمية العقل عبر التاريخ، فانقطع بذلك عن أحادية الاتجاه وجبرية الحيوان، التي تتلخص بـ(الكود) الوراثي الذي يحمله، ومحدودية الاختيار المتاحة أمامه، فإذا كانت رسالتي أخلاقية كما تقول فإنها لكذلك، ويسرني أن تكون قد أدركت ذلك، لكن ليس بالمعنى الفلسفي التاريخي للأخلاق، إنما بالمعنى الأخلاقي الذي نقرأه في عواقب الأقوام عبر التاريخ، وارتباط مصائر الأقوام بأعمالهم، الدرس الذي يلح عليه القرآن كثيرا، نعم إنها أخلاق، لكنها مشفوعة بالأدلة الدامغة والآيات البينات، ومفتوحة على المنافع إذا ما استجيب لها، وعلى الكوارث إن أعرض الناس عنها، وليست رجاءات المتوسلين، ولا أمنيات الحالمين، ولا مواعظ الدراويش ورقائق الصوفية كما تقول، إنها أخلاق تستند إلى حقائق التاريخ، وثمرات الممارسة اليومية، والنجاح المستمر والتقدم الدائم في معركة الواقع، هذا ما أردته لما تحدثت عن النرفانا، أبدا لم أرد أن أقول أنها حالة ذهول عن الواقع، بل مواجهة الواقع بروح العالِم الذي يعرف القانون، وطمأنينة المؤمن الذي يثق بالله من خلال معرفة سننه، وعندها لن يكون الصدر العاري دروشة، ولن يكون اللاعنف هزيمة، أو إعراضا عن الواقع، وصما للآذان عن نداء الواجب، ومعركة الحقيقة. أخي الكريم فيلسوف إحفير و(مشاغب الضواحي في باريس أيضا) إننا في عالمنا وفي تراثنا، وأقولها بكل أسف ومرارة، مسخنا الأفكار والقيم والحقائق، وأكثر الأمثلة وضوحا، فيما أدعيه مما تعرّض لعملية التشويه، الشعار الذي يرفعه كل مسلم، وهو أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكيف أن مراجعة النصوص الحديثية، على الأقل في صحيح مسلم والذي كنت أدرّسه في مسجد القرية، تبين أن النبي لما كان يتحدث عن الشهادة كان يتحدث عن توصيف لحال وليس عن كلمة تقال، فالأساس من الناحية العقيدية حضور المعنى وتجسد الحال، وليس سلامة اللفظ أو استحضارالمبنى، والمرة الوحيدة التي ذكر فيها الإمام مسلم الحديث بلفظ (قال) ختم الحديث بقوله(ص): (ومات على ذلك) بمعنى أن النطق كان نوعا من الإعلان عن نمط جديد من الحياة، نمط محكوم بروح هذا الإعلان الذي كان مستهل هذ النمط الجديد من الحياة، بحيث أن روح الإعلان تسيطر وتضبط الحياة حتى لحظة الوفاة التي تصبح عندها لحظة وفاء، وهذا معنى(ومات على ذلك)، بينما الشهادة الآن تعيش في عالمنا، كلمة ككل الكلمات تتعايش مع كل أضدادها مما ينتج الجبت والطاغوت، لقد تحدثت لللاعنفيين في رسالتي، على أمل أن نحول اللاعنف إلى حال وذلك بتحريره من أسر المقال، أردت أن يرسخ اللاعنف حتى يصبح مسيطرا على اللاوعي فينتج وعيا مطابقا يحكم حياة منضبطة بمعنى ما نقول، وعندها يصبح اللاعنف حالة أخلاقية وليس قناعة عقلية، أو ممارسة قولية. أما عن العدوى التي ذكرت فهي حقيقة كبيرة، لكن مع فارق القياس، والتحكم بالمعنى كما يقال، إن جودت مبدع، وهذا ما أعتبره حقيقة فيما قلت، وهو ينشر عدوى الإبداع فيمن يتصلون به لأن العدوى يجب أن تكون من جنس المرض أليس كذلك؟ لكن البعض يبقى غائصا في وحل الآباء، لأنه لم يناضل النضال الذي يستنقذه من براثن الآباء، ويحرره من أغلال التراث، فلاشك أنك تعلم أنه وفي التغيير الحقيقي يجب علينا أن ننجز العمل الأول ونخطوا الخطوة الأولى حتى يحدث التغيير وإن كان جودت يُصرّ أمام هذه الحالات الكثيرة المستعصية، أنها مسؤوليته وتقصيره، وطالما سمعته يردد قول إقبال (ومزقت الجيوب وأنت خالي جنوني لا ألومك بل قصوري)، وهو أبدا لم يتحول إلى مسيطر، إن توينبي يتحدث عن المسيطرين الطغاة الذين يسوقون الناس بالسياط، وأنى لجودت ذلك، لكن وإكمالا لفكرتك أقول إن القرآن يحدثنا عن نوع آخر من السيطرة، هي السيطرة عبر تقنية الجبت، التي تقيد المريدين بحبال الوهم، وأنت تعرف أن ما يطرحه جودت لا ينسج شرانق الوهم التي تقيد حركة المقربين، إنما يفتح نوافذ النور التي تمكن من الحركة الحرة والتوجّه الصحيح، وإن كان ذلك يغشي الأبصار التي اعتادت العتمة فتشعر بالأذى، وربما ولمواجهة ذلك وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، أو لبسوا (كمامات) كما ذكرابن خلدون القرن العشرين، وفيلسوف الجزائر مالك . أخي إدريس يابن احفير كيف غلبك شيطانك؟ لا شك أنك تعرف أن جودت - وقد صحبته بعض الوقت - أقول لا شك أنك تعرف أنه حر تذوق طعم الحرية، وهو ينادي على الملأ ويدور على المجالس، ليسقي الناس خمر الحرية التي أسكرته، داعيا الناس كلما أتيحت له الفرص، أن يتذوقوا طعم التحرر من القيود، والتخفف من الأوزار، وإطّراح زينة القوم التي تشل حركتنا، ومغادرة ملة الآباء التي تسد علينا الآفاق، كما فعلها إبراهيم من قبل، أبو المسلمين ومؤسس الملة، هكذا عرفته، وأحمد الله أني قد مسني بعض جنونه، كما يقول إقبال. أخي إدريس ياسمي النبي، أخرج رأسك من (خُرْجِ) الفلاسفة كما فعل موسى عندما أخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء، إن هذا الزمان ليس زمان الوضعيين، فأرجو أن تستعين بغير حاسة اللمس، علك تدرك ما نحن فيه، هل أكتب لك من بروكسل أم من كوبنهاجن؟! أنا أكتب لك من العالم الثالث، حيث الحزب الواحد وقوانين الطوارئ والملك المقدس، هل نسيت أجواء المغرب، أخي إدريس إن ما أكتبه لك، هو من وهج المواجهة وبركات الطريق، وليست منامات حالم، أو لغة أديب أو بديع شاعر، أخي إدريس إن حالي وحالك كحال ابن المبارك وصاحبه، عندما كاتبه صاحبه يحدثه عن الجهاد فرد عليه ابن المبارك (ياعابد الحرمين لو أبصرتنا لعرفت أنك بالعبادة تلعب)، هنا الجبهة أخي إدريس، هنا حيث الحدود والقيود، والعقوبات والجزاءات، والتي يشقها منهج النبيين وأسلوب بلال كما فعلت عصا موسى ببحر مصر، أرجوك لا تحدثني من باريس عن الجبهة، ولا تقل لي أننا ننحرف في اتجاه الآخرة، إننا نصنع الحياة بالصبر على الأذى وقول الحق ورحمة الخلق، كما فعلها محاصروا شِعب بني هاشم، الذين من صبرهم وتضحياتهم وآلامهم ُولِدَ نور المدينة، واشتعلت بعد حين الأنوار في كل عواصم العالم القديم، أما عن التصوف فأقول نعم لقد ُولِدَتْ بين أيدينا صوفية جديدة، لقد لمسنا نصرالله الحق الذي وعده الذين آمنوا[1]، وعشنا النجاة التي وعدها المؤمنين[2]، وأحسسنا بدرع الحماية الذي أسبغه علينا[3]، ومن هنا نشأ تصوفنا إن قبل الأستاذ جودت ذلك، نعم لقد رأينا من مؤيدات هذا السبيل في عالم الواقع ما حوّلنا إلى مؤمنين غيبيين إن أردت. أخي إدريس : ربما كنا ضعيفي القدرة في التعبير عما نعيش ونعاني ونحقق من تقدم ونجاحات، ربما كانت مواهبنا محدودة في جانب اللغة والتعبير، لكني والحق أقول لك إن حياتنا أغنى بكثير من كلماتنا، وما نلاقيه من نجاحات أكثر بكثير، مما يمكنك أن تتصور، تتحدث كثيرا عن الجبهة لكن كيف يمكن لمن يقف وسط المعمعة وخضم المعركة لا يكاد يتنفس من نقعها، أن يتمكن من الالتفات إلى من يتحدث عن حرب استنزاف يخوضها متخيرا الأوقات والمناسبات، ويستطيع تحديد لحظات الرد أو المشاركة أو الصمت، هل يمكن لمن يخوض في وسط الميدان أن يعتبر هذه الجبهات بشيء، إننا أخي إدريس في الجبهة الحقيقية والمعركة الدائمة، إننا شهداء حالة المخاض التي يعيشها العالم الثالث، وحيث تقدم القرابين، وتدفع الأثمان فللموقف ثمن و للكلمة ثمن للنظرة ثمن وربما للصمت ثمن، وكيف لمن أتقن أنغام بلال أن يستسيغ الصمت؟، هذا بعض من حالنا وإن قصّر مقالنا. نحن أخي إدريس لا نطالب بالعدالة، ولانتغنى بمظالم المظلومين، إننا نصنع العدل بأيدينا، ونحاول أن نعلم الناس الصيد بدل أن نربطهم بحبل السمك الذي يمكن أن نعطيهم، إننا نعيش ونعلم الناس سر بلال، وكل من يتقن سر بلال ينقلب عالمه، وتتبدل حياته، ويدخل عالم الخلق الآخر، ويتذوق طعم الإيمان ويدرك معنى الإنسان، ويعرف حقيقة قول إقبال (من له من ثروة الهادي نصيب فهو من جبريل في الدنيا قريب). أخي إدريس إن الذي يعرف تاريخ البشر،لا يتحدث عن تغيير كبير في جيل واحد، إن التغيير الكبير الذي يتكئ على العنف ويولد في جيل، يموت في نفس الجيل كما حدث لكثير من الثورات الكبرى التي استنزفت طاقات الأمم لعقود، والتهمت الكثير من الحيوات، وشربت الكثير من الدماء، إن من يعرف المدة الزمنية بين ثورة سبارتوكس في روما وقرار تحرير العبيد في أمريكا وكيف حدث ذلك، ومعاناة الناس المستمرة حتى يومنا هذا، سينظر للأشياء بغير العين التي تنظر ويفسر الأشياء بغير الأسلوب الذي تفسر(ولكنكم تستعجلون)، ثم إنني أريد أن أصِّوب شيئا ما ظننته يخفى عليك، أخي الحبيب كأنك لم تعرفنا! نحن لم نولد قبل جيل، ولذلك لم نفشل في صناعة وبناء مقاومة لاعنفية سلمية، نحن يا أخي نمتد عبر التاريخ، على يمين خط يشطر تاريخ البشر إلى نصفين، من اللحظة التي ولد فيها قاتل ومقتول، هل سمعت بنبأ ابني آدم؟ نحن نبأ نوح وأذان إبراهيم وجهاد موسى وصبر سقراط وصليب عيسى ونجاح محمد في إقامة أول مجتمع في التاريخ من غير قطرة دم واحدة، حيث استقبل الفاتح بنشيد الناس طلع البدر علينا، نحن وهج هذا النور وهذا هو العالم الذي نبشر به، عالم العقل الذي بشر به الأنبياء، وليس عالم العضل الذي هو عالم السلف الأول للإنسان الأول، نعم نحن لم نحقق الفوز المبين، لكننا ضربنا المثل وأقمنا الحجة، ولم نرفع راية الفشل، ما زلنا نراكم الأدلة ونجمع البينات ونثبت للناس أن القطيعة مع الآباء ضرورة، لدخول عالم الإنسان المكرم الذي نفخ الله فيه من روحه، وأن من لا يخرج من ملة الأقوام، لا يمكن أن يدخل عالم النبيين، لم نحقق فوزا نهائيا بعد وإن تكن قد جاءت أشراطه وبرزت تباشيره، وإنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا. أخي فيلسوف إحفير لماذا تترك صاحبك يحدثني عنك طيلة اليوم لقد أرهقني أيما إرهاق، وهو ماكر مخادع إنه ينقد كفيلسوف لكنه يعطي أحكاما قطعية نهائية جازمة تقارب دوغمائية سكولاستيكي عتيق، وإلا أنى له أن يقطع باستحالة أن تنجز كتاباتنا مبدأ يمكن أن يكون محورا تلتف حوله جموع اللاعنفيين؟ وأنا أعيد أخي إدريس وأرجو أن تحاول إقناع صاحبك، وأن تطلب منه أن يفتح قلبه لا أذنيه عندما أتحدث، قلت لك أننا نملك مواهب محدودة عندما نتحدث لكن ليس هذا هو المهم أننا نعيش في عصر بدأت الكلمات والمواعظ تفقد فيه معانيها لشدة ما مكر بها لصوص المعاني وفنانو الألفاظ، لكننا نقول إن الواقع الآن بدأ يردد دعوتنا ويعزف الموسيقا التي طالما صدحنا بها عبر التاريخ، وكل من يفهمون هذه التراتيل السماوية، لم يعد في وسعهم خوض معركة، ولا شن حرب، ولم يعد للحرب رصيد إلا عند الآبائيين الذين يعيشون داحس والغبراء، وأيام الحسين ويزيد، وبعض الكاوبوي من متخلفي العالم الغربي، هؤلاء هم أنصار الحرب الذي يصمون آذانهم عن نداء السماء الذي بدأت تردده الأرض منذ احترقت هيروشيما، واحترّت الأرض وتبددت مواردها وتلوث هواؤها، وتآكل غشاء الأوزون الذي يحرس الأحياء من أذى أشعة الشمس، عندما يتمكن العلماء والربانيون الذين أخذ الله عليهم العهد من بيان الحقائق للساسة الجهلة في العالم، سوف يضطر الساسة للخضوع، وإن لم يقم العلماء بدورهم، فإن العواقب اقتربت من الجرائم والمجرمين، وما عاد التغيير داء دويا لا يفطن له إلا آحاد الناس كما قال ابن خلدون، فلم يمض غيرقليل وقت، حتى اكتشف الأمريكان الخطأ الذي اقترفوه بغزو العراق، وهاهم اليوم كبالع الموس على الحدين كما يقال، لم يعد العنف سبيلا صالحا للاستخدام البشري ومن لم يصدق فليجرب و(إن الله لن يمل حتى تملوا)، أما عن التهام كتب خالص وجودت! أتمنى أخي إدريس لو وجد في عالمنا من يقرأ وليس من يلتهم، وإن لم تصدق فاسأل رئيس اتحاد الناشرين العرب، إن ما يطبع في سوريا اليوم للمثال يساوي عدد ما كان يطبع قبل ثلاثين عاما عندما كانت سوريا ثلاثة ملايين، وقس عليها عالمنا، ولو كنا نستعمل الورق لغير لف المأكولات لتبدل حالنا، لو كنا من أهل القرءاة لما أزمنت مشكلاتنا وأعضلت أدواؤنا، إن الشباب في عالمنا أخي إدريس وكما تقول البي بي سي يتدربون على كمال الأجسام، ويدخلون اليوم عالم بناء العضل، وليس على كمال العقول وتنمية العقل، هذا هو بيت الداء وتصور كم يقع عليك من تبعات وأنت تتحدث من باريس لتزين لهم وثن القوة؟ وتعلمهم مراسم التعبد له، وطقوس التقرب منه والطواف حوله؟ وتدافع عن قداسة هذا الصنم الذي لوث تاريخ البشر وصبغه باللون الأحمر. أوافقك أخي الحبيب أن ما نكتبه ضحل وغير مقنع، ومكتوب بلغة لا يقرأ أهلها ولا قراء لها في العالم مقارنة باللغات الحية، لكن لا حرج لقد بدأ الكون يتحدث بلغة عالمية رياضية صارمة قاسية مؤلمة تعامل الأغبياء والحمقى مثلما تعامل المجرمين كما يقول ويلز وكما يحدث أمام أعيينا لبوش ، ولمسلمي عالمنا! أما عن إدانة المقاومة فهذا رأي خالص الذي يصدر فيه عن معاناته الشخصية وليس عن مبدأ اللاعنف، ولقد أحسست أن خالص يحتاج نقدك القوي ويستحقه في آن واحد، أعتقد أن المقاومة في (لبنان والعراق وفلسطين........) وإن تكن غير سلمية أو عنفية من ناحية المبدأ والمنطلقات، لكن ليس من العدل ولا من اللاعنف أن نردد مقولات أعدائها الذين يحملون كل ماتحمل من عيوب ويفتقرون لما تتمتع به من حسنات، وإن اختلافنا مع المقاومين في المبدأ لا يسمح لنا أن نبخس نجاحاتهم، ولا أن نغمطهم حقهم ولا أن ندين ضمائرهم، كل ما في الأمر أننا نرى أن طرد المحتل ليس هو التحرير الكبير، وأن مقاومته ليست هي الجهاد الأكبر، وهذا بدا واضحا في معركتي حزب الله في الداخل والخارج، لقد تبين اليوم أن مواجهة الجيس الإسرائيلي المدجج الذي لا يقهر وظهيره الأمريكي وحتى مع القنابل التي تملك القدرة على اختراق التحصينات، لم تنل من إيمان مقاتلي حزب الله وعزيمتهم ولم تؤثر على شعبيتهم وتفت في عضدهم، مثلما يفعل اليوم زعران جنبلاط والحريري ومرتزقتهم، ومع احترامي لوعي السيد حسن نصرالله وقراءته الذكية للواقع السياسي والعسكري في المنطقة والتي أعتبر أنه فيها كان أكثر ذكاء ونباهة ووعيا من الحسين أيام يزيد، لكن يؤلمني كثيرا أن التاريخ الدامي لآل البيت يجعل من الصعب على السيد حسن أن يفكر أن ما يقوم به من جهد، هو الطريق الذي سلكه المعلم الأول لهذه الأمة(ص) وأن الحسين وكربلاء وعاشوراء هي تشوهات يجب أن لا تضيعنا وتشتت تركيزنا،(وليس معنى هذا أنني أموي أزكي يزيدا وابن زياد لكن الظلم وهو خطأ كبير لا يمكن مواجهته بتقنيات الخروج ولو تورط السيد حسن اليوم في استخدام القوة كما يريد أعداؤه فلن يكون مصيره أمام الامبراطورية الحالية مختلفا عن مصير الحسين أمام الامبراطورية العربية التي تسمى بطريق الخطأ خلافة). خلاصة القول أخي إدريس، أننا نحترم جهد المقاومين ونكبر تضحياتهم، ونسلم بصدق إيمانهم وعدالة قضاياهم، لكننا نرى أنهم لا يسلكون السبيل الحق في التحرير، ونرى أنهم يسلكون سبيلا لدينا في العالم العربي من الأدلة بعدد بلدان العالم العربي، أنه لا يقود للتحرير الحقيقي، و لدينا من البراهين ما يربوا على العشرين برهانا وأظنها كافية كي نقتنع أن طرد المحتل هو ظاهر التحرير، وأن تحرير الإنسان هو التحرير الأول والأساس، والذي لا يهم بعدها من يحكم البلد،لأن المواطن الحر لا يمكن استعباده، وكسر إرادته، واللعب بثرواته ومصيره ناهيك عن المتاجرة بدمه وجسده. لكم حبي واحترامي وشكرا جزيلا وبانتظار الصاروخ الثاني الذي وعدتم به أخوكم من يصدق باللاعنف عقله، ويعمل كي يخشع له قلبه، وتستسلم له جوارحه د. محمد العمار 28 \ 1\ 2007 [1] (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) [2] (ويونس إذ نجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [3] (إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا)

ليست هناك تعليقات: